صلاة الأوابين
(( صلاة الأوابين ))
من سلسلة سنن وفوائد للشيخ فواز إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد أيها الأحباب الكرام، من الصلوات المهمة والنوافل المهمة التي حرص على فعلها أكثر السلف وقد أسموها بأنها صلاة الأوابين: الصلاة ما بين المغرب إلى العشاء. وفي هذا الوقت يسمح للمسلم بأن يصلي بعد انقطاع ما بين العصر إلى المغرب، فكما مر معنا في صلاة الضحى أن المسلم لا يستطيع أن يبتعد عن ربه وعن لقائه، فهو دائم الشوق وفي حنين دائم إلى هذا اللقاء، فلذلك حينما يصلي صلاة المغرب ثم يصلي نافلته يهرع إلى الصلوات. فهذه صلاة مهمة كما قلنا، فبقدر الشوق إلى الله بقدر ما يصلي المسلم في هذا الوقت من الصلوات.
ولقد أطلق العلماء على هذه الصلاة أنها صلاة الأوابين، وليس في هذا تعارض مع صلاة الضحى، وإنما تلك صلاة أوابين وهذه صلاة أوابين. وقد فسر كثير من أهل العلم قوله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ﴾ فقالوا: هي ما بين المغرب وصلاة العشاء صلاة الأوابين. وكذلك قال كثير من أهل العلم أن صلاة الأوابين هي ما بين أن ينكفت الناس (أهل المغرب) إلى أن يثوب أهل العشاء؛ فحينما ينصرف الناس إلى بيوتهم من صلاة المغرب إلى أن يأتي وقت العشاء فهذا وقت معظم فضيل والصلاة فيه لها فضيلة عظيمة.
لذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: «من ركع بعد المغرب أربع ركعات كان كالمعقب غزوة بعد غزوة». وقال ابن عباس: «إن الملائكة لتحف بالذين يصلون ما بين المغرب إلى العشاء، وهي صلاة الأوابين». وقال الأسود: ما أتيت ابن مسعود في تلك الساعة إلا وجدته يصلي فقلت له في ذلك، فقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «نِعمَ ساعة الغفلة»، يعني ما بين المغرب والعشاء.
وعن أنس أيضاً - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يصلي ما بين المغرب والعشاء ويقول: «هو ناشئة الليل»، يعني يفسر قوله تعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بأنها صلاة ما بين المغرب والعشاء. وفي ذلك أيضاً يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: «صلاة الأوابين الخلوة بين المغرب والعشاء حتى يقوم الناس إلى الصلاة». وكذلك فعل عطاء الخراساني حينما صلى المغرب فقال لعمر بن أبي خليفة: «ترى هذه الساعة ما بين المغرب والعشاء، فإنها ساعة الغفلة وهي ساعة الأوابين». فلذلك فضل كثير من السلف هذه الصلاة وحرص عليها وواظب عليها، لما لها من الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى.
وقد يدرك المرء معنى قول أنس رضي الله تعالى عنه ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشدُّ وَطئاً وأقومُ قِيلاً﴾ بأنها ما بين المغرب والعشاء حينما يصلي، فلا بد من أنه سيشعر ويستشعر بأن هذا الوقت يشبه القيام لله - سبحانه وتعالى - في وقت السحر، فهو وقت عظيم يشبه وقت السحر ووقت النزول الإلهي؛ لأنه كما قال السلف ساعة غفلة، والعبادة في وقت الغفلة أعظم أجراً من العبادة في وقت تيقظ الناس.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لطاعته وأن لا يحرمنا رضاه، إنه سميع قريب مجيب.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق