تفسير مجمل لسورة الناس
تفسير مجمل لسورة الناس
للشيخ فواز أحمد إزمرلي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد أيها الأحباب الكرام، نذكر بعض المعاني - على سبيل الإجمال - لسورة الناس، فهي سورة عظيمة من السور التي سميت بـ المعوذة. وقد تضمنت هذه السورة استعاذة ومستعاذًا به ومستعاذًا منه، فالاستعاذة هي اللجوء إلى الله، والمستعاذ به هو الله رب الناس ملك الناس إله الناس. فلذلك لما يستعيذ المسلم المؤمن بالرب والملك والإله للناس، فيستذكر ربوبيته وملكه وإلاهيته، وهذه الاستعاذة بهذه الأسماء تتضمن استمطارًا واستنزالاً لكل ما تتطلبه الاستعاذة. فهو رب الناس، والرب هو الذي يربيهم ويصلحهم ويدفع الشرور عنهم ويحفظهم، وهو القادر الذي له القدرة التامة، والرحمن الرحيم ذو الرحمة الواسعة، والمحسن إليهم، المجير لهم، المغيث لهم، الذي يجيب الدعوات ويكشف الكربات. ويستذكر العبد المستعيذ بالملك الذي له الملك التام يتصرف في ملكه، فالعبيد عبيده والملك ملكه والسماوات والأرضين ملكه. فهو المتصرف المدبر، قدرته نافذة، له السلطان التام، فهو الملك الحق. فالملك الحق هو الذي يفزع إليه الناس عند الشدائد والنوائب، وهو الذي يفزع إليه الناس عندما يصيبهم أذى وشرور، فهو مستغاثهم ومعاذهم وملجأهم. ثم يستذكر الإله الحق والمعبود، الذي لا إله لهم سواه ولا معبود لهم غيره، فلا ينبغي إلا أن يتوسلوا بتوحيدهم وعدم إشراكهم في إلاهيته لهذا الرب العظيم الرحمن الرحيم من أجل أن يغيثهم مما يستعيذون منه. فإذا كان لا مفزع لنا في الشدائد سواه ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، فلا ينبغي أن يُدعى ولا يُخاف ولا يُرجى ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه. لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك ومتولي شأنك وهو الرب لا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق فهو ملك الناس حقًا وكل العبيد ملكه. فلذلك ينبغي عليهم أن لا يستعيذوا إلا به ولا يستنصروا إلا به ولا يلجؤوا إلا إليه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم، ومتولي أمورهم جميعًا بربوبيته وملكه وإلاهيته لهم. فهذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي، وهو الشر الداخل في الإنسان، الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة. فهي تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شر من داخله. أما سورة الفلق فتضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو ظلم الغير له، بالسحر والحسد ونحوه، وهو شر من خارج. فالمستعاذ منه في سورة الناس يتعلق بالنهي، فهو شر المعائب، وأما الشر الذي مستعاذ منه في سورة الفلق فهو شر المصائب، والشر كله يرجع إلى العيوب وإلى المصائب. فسورة الفلق تتضمن الاستعاذة من شر المصيبات، وسورة الناس تتضمن الاستعاذة من شر العيوب التي أصلها كلها الوسوسة، فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة، فلهذا كان المطلوب من المسلم أن يستعيذ من شر الوسوسة أهم من أي مستعاذ منه. هذا ملخص ما ذكره الحافظ ابن القيم، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيذنا من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجِنة والناس.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق