الاستعداد للموت

الاستعداد للموت
 
الاستعداد للموت
مقطع للشيخ فواز إزمرلي





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحباب الكرام، ينبغي على كل أحد منا أن يستعد للقاء ملك الموت، فكل أحد منا سيلقاه. والموت لا بد منه، وهو مسرع إليك، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الموتِ﴾. فمن منا بمأمن من الموت؟ لا أحد. من منا يستطيع أن يدعي أنه مخلد في هذه الدنيا؟ لا أحد. من منا يدعي أنه لن يوضع في حفرة من التراب ويحاسب على كل ما اقترفته يداه؟ فلماذا هذه الغفلة عن هذا الأمر الجلل؟! فينبغي على كل أحد منا أن يبادر بالعمل قبل أن ينادَى بالرحيل، فهل تأمن أخي المؤمن أن يأتيك الموت وأنت على حالك من الغفلة؟ وأنت على حالة من المعصية؟ لذلك حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان آخر ما تكلم به قبيل موته - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى))، وقال: ((اللهم أعني على سكرات الموت)). وعمر قبيل موته - رضي الله تعالى عنه - قال: يا ويلي ويا ويل أمي إن لم تغفر لي وترحمني.
لذلك ينبغي على العابد أن يتزود لأخراه، وأن يبتعد عن الدنيا ولذتها ويأخذ منها مقدار ما يحتاجه في معيشته. قال سلمان الفارسي: ثلاث أعجبتني ثم أضحكتني، مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راضٍ عنه. وثلاثة أحزنتني حتى أبكتني، فراق محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه والأحبة، وهول المطلع، والوقوف بين يدي ربي لا أدري إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار.
وقال محمد بن يوسف الأصفهاني العابد لبعض إخوانه: تزود لأخراك وتجاف عن دنياك، واستعد للموت وبادر الفوت، واعلم أن أمامك أهوالاً وأفزاعًا قد أرعبت الأنبياء والرسل.
وقال شُمَيْط ابن عجلان: طالت آمالكم فجددتم منازلكم من الدنيا وطيبتم منها معايشكم وتلذذتم فيها بطيب الطعام ولين اللباس، كأنكم للدنيا خلقتم. أولا تعلمون أن الموت أمامكم؟ أولا تعلمون أن ملك الموت موكل بآجالكم؟ لا يذهب عنه من المدة شيء. ثم يقول رحمه الله: لا تكونوا رحمكم الله أقل شيء بالموت اكتراثًا وأعظم شيء عن الموت غفلة، فما ينتظر الحي إلا الموت، وما ينتظر المسافر إلا الظعن.
وكان حبيب الفارسي إذا أمسى بكى وإذا أصبح بكى، فسُئل أهله عن ذلك فقالت: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسي. هذا رجل استعد صباح مساء للقاء الله، فإذا أمسى خاف أن لا يصبح فيبكي وإذا أصبح يخاف أن لا يمسي فيبكي، وقالت امرأته: كان يقول إن مت في اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني وافعلي كذا وافعلي كذا، فقيل لامرأته: أرأى رؤيا؟ فقالت: هذا يقوله في كل يوم.
وقال زياد النميري: لو كان لي من الموت أجل اعرف مدته لكان حريًا بطول الحزن والكمد حتى يأتيني وقته، فكيف وأنا لا أعلم متى يأتيني الموت صباحًا أو مساءً.
لذلك قال عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: ما منكم أحد أصبح إلا وهو ضيف وماله عارية، والضيف مرتحل لينطلق والعارية مؤداة.
وقال شُمَيط ابن عجلان: أيها المغتر بطول صحته، أما رأيت ميتًا قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول المهلة، أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة؟ إنك لو فكرت في طول عمرك لنسيت ما قد تقدم من لذاتك. أبالصحة تغترون؟ أم بطول العافية تمرحون؟ أم للموت تأمنون؟ أم على الموت تجترئون؟ إنَّ ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك، ولا كثرة احتشادك. أما علمت أنَّ ساعة الموت ذات كرب وغصص وندامة على التفريط… ثم ينادي فيقول رحمه الله: رحم الله عبدًا عمل لساعة الموت، رحم الله عبدًا عمل لما بعد الموت، رحم الله عبدًا نظر لنفسه قبل نزول الموت.
وخطب عمر بن عبدالعزيز فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثًا ولن تتركوا سُدى، وإنَّ لكم معادًا يجمعكم الله للحكم فيكم والفصل فيما بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء وجنته التي عرضها السماوات والأرض، وإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله واتقى وباع قليلاً بكثير وفانيًا بباقٍ وشقوة بسعادة. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديًا أو رائحًا إلى الله قد قضى نحبه وانقطع أمله؟ فيضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسلاب وفارق الأحباب وواجه الحساب.
وقال داود الطائي: من خاف الوعيد قصُر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آتٍ قريب.
واعلم أي أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم، واعلم أن أهل الدنيا جميعًا من أهل القبور وإنما يندمون على ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون. مما عليه أهل القبور ندموا: أهل الدنيا عليه يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول في خطبته: أين الوضاءُ والحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر وأصبحوا في ظلمات القبور، الوحاء الوحاء والنجاء النجاء. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينجينا وإياكم من أهوال الموت وأهوال القبور وأهوال يوم القيامة، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.


رابط إضافي للتحميل

تعليقات