عظم صلاتك
عظم صلاتك
مقطع للشيخ فواز إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد أيها الأحباب الكرام، الله سبحانه وتعالى فرض علينا فرائض، وهذه الفرائض هي منحة من الله ونعمة قد أعطاها وأنعم بها على المؤمنين. فلا يليق بالمؤمن إلا أن يتعرف على هذه الفرائض ويعرف قدر النعمة فيها، ثم يؤديها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، ثم يشكره على هذه النعمة، فهذه هي الطريقة لأداء النعمة التي هي الفريضة على الوجه الأكمل. فمن لم يعرف قدر النعمة التي أنعم الله بها على العبد في فرائضه لم يؤدها بحب وتعظيم وإكبار، ثم تراه يتغافل ويسهو ويعرض. فحينما يتعامل العبد مع فرائض الله وهو يعرف قدر هذه الفرائض وفضلها وفوائدها، تراه يقبل عليها بحب وتعظيم ويؤديها على أكمل وجه، طلبًا لثوابها وفوائدها وفضائلها. والصلاة من النعم العظيمة التي فرضها الله على العباد، وأول كرم من الله سبحانه وتعالى أنه جلل هذه الفريضة بأمور كثيرة، دلالة على فضلها وعظمها. فأول ما فرضت هذه الفريضة في السماء، فهي معراج للمؤمن إلى ربه وهو يصلي. ثم فرضت بأجور مضاعفة، فهي خمس بخمسين، خمس يفعلها المؤمن ويأخذ أجر خمسين إن أداها على الوجه اللائق بها. وهي وثيقة مرور إلى الرضوان والجنان، وهي سبيلك للفلاح، فقد رتب الله على الصلاة الخاشعة الفلاح فقال: ﴿قَدْ أَفلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، فلا فلاح لمن لم يخشع في صلاته، ولا فوز لمن لم يخشع ويخضع في صلاته. فلذلك ينبغي على المؤمن أن لا يهمل أمر الصلاة، بل ينبغي عليه أن يقبل عليها إقبال الغريق الذي لا نجاة له إلا بها. فإذا أقبل العبد على الله في صلاته ينبغي أن يقبل وهو يوقن أن الله هو الكبير وهو الأكبر، فيتوجه بقلبه - كما توجه جسده باتجاه الكعبة المشرفة - ويوقن عندما يقول ((الله أكبر)) أن لا كبير على الحقيقة إلا الله. فينبغي على العبد أن يقبل على صلاته ويستصغر الدنيا فإنها دنية، وما عند الله خير وأبقى. ينبغي عليه إذا أقبل على صلاته أن يطهر جوارحه وقلبه من المعاصي كما طهر جسده من الأحداث، فالصلاة الخاشعة تدفعه إلى التخلي عن المعاصي وإلى الإسراع بالتوبة حتى يقابل الرب وقد محا الله عنه ما ارتكبته جوارحه من الآثام. يقبل على الله وهو يدرك أن هذه الصلاة هي رفعة له، لأنه دخل يناجي ربه ويسجد لله، وكل سجدة يسجدها يُرفع درجة بسببها. يدخل إلى الصلاة وهو يعلم أن الصلاة كفارة للذنوب، فضلاً عن أنها مناجاة لرب الأبدان والقلوب. يدخل إلى الصلاة وهو يعلم أن من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح. يدخل في الصلاة وهو يعلم أن الخُطى إلى المسجد وانتظار الصلاة وأجر الجماعة ثم المكوث في المسجد بعد الصلاة وأنه يتحصل بذلك على دعاء الملائكة وعلى الأجور العظيمة، فتعظم في قلبه الصلاة. يدخل إلى الصلاة ويقبل على الصلاة وهو يعلم أن الصلاة فرصة لمناجاة ربه، يبث فيها نجواه ويرفع شكواه ليزيل همومه وليسدد الطريق ويقترب من الله القريب سبحانه وتعالى. فينبغي على العبد أن يقبل على صلاته وهو يوقن أن الصلاة فرصة للنجاة وللسعادة وللإصلاح ولترتيب الأمور، فهي راحة وطمأنينة وسكينة، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أرحنا بها يا بلال))، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. فليست الصلاة مضيعة للوقت، وليست فرض قهر تؤديه وأنت على كره ولا تعرف كيف تتخلص منه ثم تقول ارتحنا منها؛ بل يجب أن تواظب على الصلوات وتقول: أرحنا بها وارتحنا بها. إذا أقبلت - أخي الحبيب - على ربك في الصلاة أقبل وأنت موقن أن الصلاة وقوف بين يدي جبار السماوات والأرض، فلذلك هذا الكريم الذي أذن لك بلقائه ومناجاته - كرمًا منه وفضلاً - يستحق أن تذعن له وأن تتذلل له وأن تخضع لعظمته وأن تقبل إقبال الغريق المحتاج المفتقر إلى ربه سبحانه. إذا أقبلت - أخي الحبيب - إلى الصلاة أقبل وأنت موقن بأن الصلاة صلتك مع الرب، فاشحذ همتك ليقبل قلبك وعقلك وفكرك وجوارحك على الله سبحانه وتعالى، ولا تنشغل بغيره، ولا تنشغل بغير تعظيمه والتذلل له. أخلص قلبك وأخلص عقلك وفكرك لله، ودع عنك الدنيا وأهلها، واعلم أن ما يوجد خارج المسجد من العمل والتجارة ليس يقارن بما هو عند الله. فإياك إياك أخي الحبيب أن تعتقد أو يخطر على بالك أن ما يوجد خارج المسجد من العمل والتجارة أعظم مما هو موجود لك داخل المسجد، فوالله ما عند الله خير وأبقى، ﴿قُلْ ما عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾. أقبل على الله في صلاتك وأنت موقن أن الصلاة منة من الله، منة عظيمة من الله عليك وليست منة منك عليه، فإياك ثم إياك أن تظن هذا الظن الفاسد؛ فكثير من الناس يظنون أنهم إذا صلوا أو زكوا أو حجوا أو صاموا قد أعطوا لربهم ما يريد، فيمنون على الله بذلك، نعوذ بالله من الخذلان. فلذلك أقبل على الله وأنت مدرك وموقن بأن الله قد أفاض عليك نعمًا جليلة عظيمة بهذه الفريضة الراقية، فالصلاة نعمة عظيمة وهبة من الله جليلة أغدقها على عباده المؤمنين، فهل من مدكر؟ أقبل على الله وأنت متذلل، في هيبة ووقار، وقلبك يستحضر عظمة الرب، فتتذلل وتخضع لهذا الرب العظيم. فإياك إياك أن تقف بين يديه وعقلك مشغول بغيره، إياك إياك أن تقف بين يدي الله العظيم وفكرك قد انشغل بغير الله. أخي الحبيب، هذه الفريضة هي وثيقة لجوازك إلى الجنان، وسبيلك للفوز لا الخسران، فتمسك بها وأدها كما يحب الله ويرضى حتى تنال من الله الحب والرضا. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفقهنا في ديننا وأن يرشدنا سواء السبيل، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
رابط إضافي للتحميل
صدر للشيخ فواز زمرلي : الصلاة معراج الروح

تعليقات
إرسال تعليق