لا تغتر بأعمالك
لا تغتر بأعمالك
مقطع للشيخ فواز إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد أيها الأحباب الكرام، اخترت لكم حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لن يُدخل أحدًا عملُهُ الجنة))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة. فسددوا وقاربوا، ولا يتمنيَنَّ أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب))، رواه البخاري. ففي هذا الحديث الشريف - الذي نطق به فم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم - يبين فيه نبينا أن الأعمال لا تدخل الجنة وأن الأعمال لا تنجي من النار، كما في رواية أبي هريرة: ((لن ينجيَ أحدًا منكم عملُه))، وأن الأعمال لا تستأهل الفوز بالجنة ولا النجاة من النار، كما في حديث جابر: ((لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار)). والنجاة من الشيء هي التخلص منه، فالأعمال لا تستأهل الفوز بالجنة وليست هي عوض عنها. وهكذا فهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا الأمر، فهم يعرفون قدر أنفسهم وعجزها وضعفها وأن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويعرفون قدر خالقهم والمنعم عليهم وعظمته وعظمة نعمته عليهم. ثم هم يعرفون أن ما بهم من نعم من الإسلام والإيمان والعمل والاهتداء والتوفيق والقدرة على الفعل إنما هي بتوفيق ومدد من الله الغفور الرحيم، فلذلك لم يكن يعتدون بأعمالهم ولا يغترون بها ولا يصيبهم منها العجب ولا الخيلاء، لأنهم يدركون أنهم بنعم الله يتقلبون ظاهرة وباطنة. قال تعالى: ﴿وما بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾، وقال: ﴿وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾، وقال: ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾. وإن كنت في تردد من فهم هذه المعاني أخي الحبيب فتعال لأخبرك وأسألك: هل ما تؤديه من العبادات يوفي ما لله عليك من حق في تعظيمه وما يستحقه الله من التعظيم والإجلال والهيبة والتقدير والوقار؟ قال تعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، هذا مع ما يشوب العبادات من نقص في الأداء أو الخشوع أو حضور القلب. ثم انظر أخي الحبيب نظر المعتبر في نفسه، هل تؤدي هذه العبادات شكر الله على النعم؟ وأنت تعلم في قرارة نفسك أن لا أحد أعظم إحسانًا من الله عليك، فإن إحسانه تعالى على عبده في كل لحظة ونفس، والعبد يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل إلى ضبط أجناس هذا الإحسان العظيم، فضلاً عن أنواعه أو عن أفراده. ويكفي أن من بعض أنواع نعمه: نعمة الأنفاس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفس، وكل نفس نعمة من الله. فإذا كان أدنى نعمه عليك في كل يوم وليلة أربعة وعشرين ألف نعمة، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم؟ هذا غير ما يصرف الله عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازي النعم في الكثرة - والعبد لا شعور له بأكثرها أصلاً - والله سبحانه وتعالى يكلؤه منها بالليل والنهار كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ﴾، والمعنى: من يكلؤكم ويحفظكم منه إن أراد بكم سوءًا ويجيركم وينجيكم من بأسه، أو من يكلؤكم بدل الرحمن سبحانه فهو الذي يكلأكم وحده لا كالئ لكم غيره سبحانه وتعالى، هذا مع غناه التام عنكم وفقركم التام إليه. ولقد خلق الله لعباده وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وما في الدنيا، ثم أهلهم وكرمهم وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وشرع لهم الشرائع التي كلها مصلحة لعباده تستوجب الحمد والمحبة والتأله عليها. ثم أذن لهم في مناجاته في كل وقت وفي أي وقت أرادوا، وكتب لهم بكل حسنة عشرة أمثال إلى سبعمائة ضعف، وشرع لهم التوبة الهادمة للذنوب فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم، وشرع لهم الحج الذي يهدم ما قبله، فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به. وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات، هو الذي أمرهم بها وخلقها لهم وأعطاهم إياها ورتب عليها جزاءها، فمنه السبب ومنه الجزاء ومنه التوفيق ومنه العطاء أولًا وآخرًا. أعطى عبده ماله وقال: تقرب بهذا إليَّ أقبله منك؛ فالعبد له والمال له والثواب منه، فهو المعطي أولاً وآخرًا، فمن يتجرأ أن يقول بعد كل هذا: هذا عملي، ويصيبه العجب والغرور ويظن أنه يستأهل ويستعيض به الجنة وما فيها من نعيم ورضوان؟! فهل هذه العبادات كلها تستأهل هذا النعيم المقيم الذي أعده الله لعباده؟ هذا والله إن وجد عند أحد من الخلق فهو غفلة وجهل وغرور، فالجنة إنما يدخلها العبد برحمة من الله وفضل. وليس عمل العبد مستقلاً بدخولها، وإن كان سببًا لذلك، لذلك قال تعالى مثبتًا دخول الجنة بالأعمال: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ التِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخولها بالأعمال، ولا تنافي بين الأمرين. فما عليك إذًا أخي الحبيب إلا أن تحرص أن تؤدي العبادة على وجهها الأكمل الذي يرضى الله عنه، وتفهم الحكمة من فرضية هذه العبادة، وهذا يسهل عليك أمورًا ثلاثة: أداءها بسهولة ويسر لأنك تعرف لماذا تعبد الله، ثم الاستفادة من ثمراتها وجني تلك المنافع منها، ثم أداءها وفق ما يحب الله ويرضى. فما عليك أخي إلا أن تسدد الوجهة والفعل، فتسلك - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - طريق السداد، وتحاول أن تقترب من الصواب والحق ما أمكنك. تبذل الجهد وتعاني للوصول إلى ذلك، فإن ظننت من نفسك التقصير فلا يخطر على بالك تمني الموت، لأن في تمني الموت تسخطًا على القدر وحرمانًا للخير أو حرمانًا للتوبة، بل ينبغي للمؤمن أن يتأهب للقاء الله وأن يستعد لذلك ويجعل ذلك همه ودأبه. فتمني الموت وحصوله يقصر الأيام التي تعمل فيها الحسنات فتقل أو يبعد عنك التوبة بتعجيل الموت إن أسأت، وفي كلا الأمرين خسارة. فبادر أخي الكريم إلى العمل الصالح المقبول، تعلم كيف تؤدي هذا العمل، ثم تعرف على الحكمة منه، وعظمه وأحبه وبادر إلى فعله. وإياك ثم إياك أن تغتر بأعمالك أو أن تركن إليها بأنها تنجيك من النار أو تدخلك الجنة، بل ليكن التعويل عندك على كرم الله ورحمته وفضله والاعتراف بمنته والاعتراف الدائم بالتقصير في جنب الله، فمهما بذلت فأنت مقصر فلا تستطيع أن تؤدي ما لله عليك من حقوق. فاعرف ربك واعرف عظيم فضله ورحمته بعباده، وأحبه تكن من الفائزين. جعلنا الله وإياكم من الفائزين بالجنان المزحزحين عن النيران، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق