مثل الذي يذكر ربه
مثل الذي يذكر ربه
مقطع للشيخ فواز أحمد إزمرلي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت))، وفي لفظ آخر: ((مَثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مَثل الحي والميت))، رواه البخاري ومسلم. ففي هذا الحديث أيها الأحباب الكرام يبين فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فضل الذكر وفوائده، فالذكر هو حياة القلب ومادة حياته. فالقلب الذاكر هو المعمر بالحب والحياة، والقلب الغافل هو المحروم من الحياة؛ وأقصد بالحياة: اللذة التامة التي بها يستشعر القلب هذا النعيم، فالقلب الذاكر هو المنعم الذي يعيش بلذة حبه لله ووصله به سبحانه وتعالى. فهذا الذي عود لسانه ذكر الله قلبه حي منعم سعيد، في أُنس وطمأنينة، وفي أمن وأمان. فلذلك نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الفرق بين الذاكر والغافل كالفرق بين الحي والميت، فالحي دبت فيه الروح، والميت سحبت منه الروح، والذاكر دبت فيه الرَُوح أيضًا من قِبَلِ الله؛ الرَّوح والريحان والأمن والأمان. فلذلك هذا الذي عَوَّد لسانه ذكر الله، عوَّده الاتصال به وعوَّده طمأنينته وعوَّده أن يكون متيقظًا وأن يكون عابدًا لله سبحانه وتعالى. وهذا الذكر المراد به ذكر اللسان الذي يواطئ ويوافق ما في القلب من اعتقاد وإيمان، أما الذكر المفصول عن القلب - وهو ما يلوكه اللسان دون إعمال الفكر فيه ودون أن يكون مترجمًا عما في قلبك من إيمان - فهذا ذكر سطحي قد تؤجر عليه، ولكن النفع في حياة قلبك لا يكون. فمراتب الذكر ثلاثة: أن يكون بالقلب واللسان وذلك أفضل الذكر، أو بالقلب وحده تارة وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة وهي الدرجة الثالثة. فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، لأن القلب إذا ذكر الله أثمر لديه المعرفة وهيَّج عنده المحبة وأثار الحياء، وبعث على المخافة والمراقبة لله سبحانه وتعالى، وردع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات. أما ذكر اللسان وحده دون أن يكون مترجمًا عما في القلب فهذا لا يوجب هذه الفوائد ولا يثمر هذه الثمار، بل ثمرته ضعيفة جدًا. والذكر أيها الأحباب الكرام نوعان: ذكر يتضمن ذكر أسماء الرب وصفاته والثناء عليه وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به سبحانه وتعالى، وذكر المراد به العبادة والطاعة وتنفيذ الأمر واجتناب النهي والالتزام بأحكام الشرع؛ فالذاكر يكون مُثنِيًا على الله بأسمائه وصفاته، والذاكر يكون متبعًا لأمر الله يبادر ويسارع إلى تنفيذ أمره ويجتنب ويبتعد عن معصيته سبحانه وتعالى. ثم ينبغي على المؤمن أن يذكر آلاء الله وإنعامه وإحسانه ومواقع فضله عليه، وهذا أيضًا - كما قال أهل العلم - من أجلِّ أنواع الذكر. فالذكر أيها الأحباب من أسهل الطاعات وأخفها على العباد، ولربما هو من أكثرها وأعظمها أجرًا، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّن فوائد الذكر وفضائله وأنه حياة للقلب، فإذا ما أحيا الله هذا القلب بالذكر فالهناء الهناء لهذا المؤمن الذي أحيي قلبه بذكر الله. جعلنا الله وإياكم من الذاكرين والذاكرات، وتقبل الله منا ومنكم الأعمال، إنه سميع مجيب.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق