العشر الأوائل من ذي الحجة

 العمل في العشر الأوائل من ذي الحجة

العمل في العشر الأوائل 

من شهر ذي الحجة




الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. لا يليق بالمؤمن الجاد الحريص على نجاة نفسه إلا أن يتحين الفرص وأن يغتنم مواسم الخير ليزداد من الخيرات والحسنات والأجور، فهو حريص دائمًا على أن تكثر حسناته بأفضل الأعمال. ولهذا وجدنا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن أفضل الأعمال وأحب الأعمال، وما ذلك إلا لأنهم يحرصون على فعلها لينالوا شرف أكثر الحسنات، لما يدركون من أن مهمتهم في هذه الحياة الدنيا إعمارها بطاعة الله وملء أوقاتها بما يقربهم إلى الله والرضوان والجنان ويبعدهم عن النيران. فالمؤمن يعرف غايته ويعرف طريقه إلى تلك الغاية، ألا وهي الجنة ونيل رضى الرحمن، وهذه هي علامة التوفيق والسداد. والشقي لا يعرف غايته، ضَيَّع الغاية وفَرَّط في سلوك الطريق، فحُرِم الخير في الدنيا ثم سيُحرَمه في الآخرة والعياذ بالله. فمن أراد أن يحظى بالآخرة وبجنانها، عليه أن يشمر عن ساعد الجد لينالها ويفوز بالرضوان. ومن أعظم مواسم الخير التي يستفيد المسلم منها أجورًا عظيمة ورضوانًا كبيرًا وخيرًا وفضلاً عظيمًا: هي العشر الأوائل من ذي الحجة، فهي فرصة من أعظم الفرص التي تتجلى فيها مظاهر الكرم الرباني والرحمة من الرحمن سبحانه وتعالى. فمن أعظم مواسم اكتساب الخيرات والاستزادة من الحسنات وتقويم الاعوجاج وترشيد الطاقات والازدياد في الإيمان والاستقامة: هي فرصة العشر الأوائل من شهر ذي الحجة. والله سبحانه وتعالى نوه بفضلها وشرفها وأهميتها، فأقسم بها فقال: ﴿والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ﴾، وقد أمر الله بأن تملأ هذه الأيام بالذكر المتواصل فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُوماتٍ﴾. وقد بَيَّن الحبيبُ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فضل هذه الأيام وفضل العمل الصالح فيها فقال: ((ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه)). قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ((ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)). فدل هذا الحديث على أن العمل في الأيام العشر - العمل الصالح - أحب إلى الله من سائر الأعمال في سائر أيام الدنيا، والأعمال لما تكون أحب يعني هي عند الله أفضل. فينبغي على المسلم أن يغتنم هذه الأيام العشر، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عَمَلِ أزكى ولا أطيب عند الله من عَمَلٍ يعمل في هذه الأيام العشر)). فينبغي على المسلم - كما قلنا - أن يشتغل في هذه الأيام ويستغلها من أجل أن يحظى بهذه الأعمال الزاكيات الطيبات عند الله، ومن أعظم هذه الأعمال الصيام، يقول ابن سيرين وقتادة: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة. فينبغي أن يصام من هذه العشر بعضها، وصيام يوم عرفة يعدل سنتين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده)). وأيضًا من الأعمال الزاكيات في هذه الأيام العشر: قيام الليل، فكان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يجتهدون في هذه العشر اجتهادًا شديدًا، قيامًا ودعاءً وذِكرًا، فكان سعيد بن جبير - رضي الله تعالى عنه، التابعي الجليل الشهيد - إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سروجكم ليالي العشر (يعني تعجبه العبادة في الليالي). وكذلك ينبغي أن يكثر الذكر في هذه الأيام من تهليل وتكبير وتسبيح وقراءة للقرآن كما قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُوماتٍ﴾، والذكر يستوعب كل هذا ويزيد. كذلك ينبغي عليه أن يكثر من أفعال الخير الكثيرة والعمل الصالح الكثير من صدقة وأمر بمعروف ونهي عن منكر ومساعدة الناس ومداواة المرضى وإعانة المحتاجين وتعليم الناس الخير. كذلك من الأعمال الخاصة في هذه الأيام: التكبير، فقد ذكر البخاري - رحمه الله - في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. كذلك ينبغي أخي الحبيب أن تحذر المعاصي وتحذر الذنوب، فالمعاصي والذنوب مما يمنع حصول هذا الأجر، فالمعاصي تسد أبواب الطاعات وتغلق أبواب القبول. فلا ينبغي على المسلم أن يضيع هذه الفرصة وأن يكون من الغافلين، بل عليه أن يغتنم ويشمر عن ساعد الجد ويبذل الجهد من أجل أن يحظى بالرضا في هذه الأيام المباركات. فمن أقبل وفاز ونال المنى فرح - والله - في الدنيا والآخرة، فالسعيد من اغتنم تلك المواسم، ومن أعرض وغفل نسأل الله سبحانه وتعالى له الهداية والتوفيق ليدرك عظمة ما أعرض عنه وغفل عنه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على مجاهدة أنفسنا بالطاعة فيها وأن نكثر من أوجه الطاعات وأنواعها، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.


رابط إضافي للتحميل

اضغط هنا

تعليقات