ثمرات الخوف من الله
ثمرات الخوف من الله
مقطع للشيخ فواز أحمد إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد أيها الأحباب الكرام، الخوف من الله: من أعظم عبادات القلوب، وهو من المقامات العلية، بل هو من لوزام الإيمان. فلقد مدح الملائكة بقوله: ﴿وهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقون﴾، وبقوله: ﴿يَخافونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِم﴾، ومدح أنبيائه وأصفيائه بقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلَّا اللهَ﴾. فلذلك كان الخوف من ركائز الإيمان ولوازمه، فلا تستقيم العبادة إلا بالخوف والتعظيم مع المحبة، ولا يستقيم الإيمان إلا بالخوف والتعظيم مع المحبة. لذلك أمر الله به المؤمنين في كتابه فقال: ﴿وخافونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. فالخوف حياة للقلب، فلا حياة للقلب إن فرغ من الخوف والحب، لأن بالخوف تستجلب الاستقامة في القول والعمل والاعتقاد. فما نراه من الانحراف سببه عدم الخوف من الله - سبحانه وتعالى - أو قِلَّته، فلذلك لا أصلح للقلب من هذه العبادة الإيمانية: الخوف من الله وخشيته. فالخوف يعيد للقلب ما خربته الشهوات، ويرجعه من الانكباب على الملذات إلى الانكباب على الطاعات، والخوف يصلح القلب ويربيه ويصفيه، لذلك قال سفيان ابن عيينة: أقلهم ذنبًا أخوفهم لربه عز وجل؛ لأنه أصفاهم قلبًا. وكيف لا نخاف الله، وكيف لا نخشاه؟ وهو العظيم الخالق القادر المقتدر الجبار العلي القوي شديد العقاب. كيف لا نخشاه ولا نخافه؟ والخوف يستجلب العبد به أعظم نعيم له من المغفرة والجنة والرضوان والأمن. ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وأمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. ألم يقل ربنا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. ألم يقل ربنا: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. ألم يقل ربنا: ﴿إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ﴿الرَّحْمَٰن﴾. فمن خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الله لم يضره أحد، بل على قدر خوفك من الله يهابك الناس، وقديمًا قالوا: رأس الحكمة مخافة الله. فلذلك كلما خشيت وخفت الله أمَّنَك، وكلما تذللت له أعزك، وكلما افتقرت إليه أغناك، وكلما تواضعت لجنابه رفعك. فلك الحمد ما أعظمك! وما أكرمك! وما أحلمك! سبحانك يا ربي لك الحمد ولك الشكر ولك الثناء الحسن. فالخوف من الله يغذي هذه الخصلة الإيمانية المهمة، وهي مراقبة الله وتقواه. فالخوف من الله يربي القلب، والمحبة تغذيه وتنميه وترفعه في مقامات العبادة العليا. والخوف أيها الأحباب الكرام ينتظم أمورًا كثيرة، بل ينتظم العبد كله قلبًا وجوارحًا. وهذه العلامات التي يجب أن تظهر على الخائف هي ميزان خوف العبد من الله سبحانه وتعالى، بقدر ما تظهر هذه العلامات وبقدر ما يتبين العبد كيف أن الخوف انتظم كله قلبًا وقالبًا بقدر ما يعرف العبد كم خوفه من الله سبحانه وتعالى. فالخوف ينتظم اللسان، فيمتنع اللسان من الكذب والغيبة والنميمة واللغو، ولا يشتغل إلا بذكر الله والعلم وتلاوة القرآن. الخوف ينتظم البطن، فلا يدخل المؤمن في بطنه إلا طيبًا حلالاً، يحرص على الحلال ويجتنب الحرام. الخوف ينتظم البصر والسمع، فلا يسمع إلا ما هو حلال مباح، ولا ينظر إلا إلى ما هو حلال ومباح، فلا يسمع الحرام ولا يبصر ولا ينظر إلى الحرام، وإنما جُلُّ نظره إلى ما أباح الله. الخوف ينتظم اليد والقدم، فلا يمد يده إلى الحرام ولا يمشي إلى الحرام ولا يستعمل هذه الأدوات والآلات إلا فيما يرضي الله، فلا يظلم ولا يضرب ولا يؤذي ولا يقتل، لأنه يخاف الله سبحانه وتعالى. الخوف ينتظم القلب، فيصفيه ويخرج منه العداوة والبغضاء والحسد، ويدخل فيه المحبة للمسلمين والنصيحة والشفقة لهم. بل الخوف ينتظم الطاعة، فيجعل طاعة المؤمن خالصة لوجه الله، فيخاف الرياء والنفاق، ويجعلها موافقة لشرع الله فيبتعد عن البدع والانحراف ويدعو ويرجو القبول وعدم الرد. هكذا ينتظم الخوف الصحيح، فإن كنت أخي الحبيب كذلك فأنت خائف لله، وإن كنت على عكس ذلك فلا تلومن إلا نفسك. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يملأ قلوبنا بطاعته ومحبته والخوف منه والخشية منه - سبحانه وتعالى - وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق