محطات التقوى في ليلة مزدلفة

محطات التقوى في ليلة مزدلفة

محطات التقوى في ليلة مزدلفة

مقطع للشيخ فواز أحمد إزمرلي




الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد أيها الأحباب الكرام، هذه الليلة العظيمة ليلة مزدلفة، ليلة الزلفى والقربى من الله، ليلة استشعار العز والكرم والجود، ليلة اللذة الإيمانية التي يتحصل عليها المؤمن عقيب عرفات، عقيب الوقوف على جبل عرفات. من أسماء مزدلفة: جَمْع، قيل لأن آدم اجتمع في هذا اليوم مع حواء وازدلف إليها ودنا منها، وقيل لأنه يُجمع فيها بين المغرب والعشاء. ومن أسمائها: مزدلفة، سميت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله ويتقربون بالوقوف فيها. ومن أسمائها: المشعَر الحرام، أي: مَعلم من معالم الحج والصلاة والدعاء عنده من شعائر الحج. هذه الليلة هي ليلة السكون وتوطين النفس وإذلالها لله سبحانه وتعالى، بعد أن تمتع الحاج بالتجليات وبالرحمات في يوم عرفة ثم نزل من عرفة ليوافي مزدلفة، فتتم له العبادة وتكتمل في هذه الليلة. فهذه العبادة في ليلة مزدلفة كالتتمة لعبادة الوقوف بعرفة، لأن الإنسان يختم يوم عرفة بذكر الله وبالاستغفار إيذانًا بختام يوم عرفة - فالاستغفار سنة نهاية كل عمل - ويشكر الله على منته العظمى عليه أن وفقه لأداء الطاعة في يوم عرفة. ثم في ليلة عرفة بعد أن يصلي المغرب والعشاء جمعًا - إما تقديم وإما تأخير على حسب وصوله إلى مزدلفة - ويشرع مباشرة إلى النوم لترقى روحه فتمجد الباري - سبحانه وتعالى - وتسجد بين يديه، فيجتمع للعبد نعيم الجسد في عرفة ونعيم الروح في مزدلفة. ثم لتتم على العبد الحاج النعمة من الله سبحانه وتعالى، فيغفر ربنا - سبحانه وتعالى - لمن يبيت بمزدلفة التبعات التي لبعضهم على بعض، فالله يضمن التبعات - كما ورد في بعض الأحاديث - لعبيده الحجاج فيغفرها لهم سبحانه وتعالى. وهذا الذكر الله أمر به في محكم التنزيل فقال: ﴿فإذا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفاتٍ فاذكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كما هَداكُم﴾. فالمشعر الحرام اسم لمزدلفة، وعرفة هي المشعر الحلال. فأمر الله أن يذكر الحاج بعد إفاضته من عرفات بالسكينة والوقار والهدوء والطمأنينة، حتى يصل إلى مزدلفة فيذكر الله فيها، ولا بد من أن يمتثل لهذا الأمر وأن يسارع إلى صلاة المغرب والعشاء ثم الفجر ثم أن يقف للدعاء غداة يوم النحر. فهذا موقف عظيم، يقفه العباد بعد صلاة الفجر إلى أن يسفر الفجر - يسفر الضوء - يذكرون الله كما فعل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. فهو موقف عظيم ومشهد كريم، وهو تمام للوقوف بعرفة، وبه تجاب المسائل التي توقفت بعرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم وقف في هذا الموقف ولا ينبغي لأحد أن يدع الوقوف وأن يتعجل بليلٍ إلا لعذر كما بَيَّن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. فهنيئًا لمن وفقه الله إلى هذا النعيم الروحي كما وفقه الله إلى النعيم الجسدي فاجتمعت له اللذتان: لذة الروح ولذة الجسد. واجتمع له أيضًا العفو التام والمغفرتان: مغفرة للصغائر ومغفرة للتبعات. واجتمع له رحمتان: رحمة في عرفات ثم رحمة في مزدلفة، بالتقرب إلى سبحانه وتعالى. فيا لها من عبادة، ما أعظمها وما أشرفها وما أكثر فوائدها! إذا استشعر العبد هذه المعاني وذاق العز بالتذلل لله وذاق الحلاوة بالوصل بالله فهو والله العز الذي ليس بعده عز. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعته وأن يشملنا برحمته وأن لا يحرمنا أجر الحج، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

رابط إضافي للتحميل

اضغط هنا

تعليقات