محطات التقوى في يوم التروية
محطات التقوى في يوم التروية
مقطع للشيخ فواز أحمد إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد أيها الأحباب الكرام، غدًا هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وهو يوم التروية، وهو أول أيام الحج، وهو يوم الإحرام بالحج. سمي بذلك لأن الناس كانوا يتروون معهم من الماء من مكة، فإن عرفات لم يكن بها ماء. وقال بعض أهل العلم: لأن جبريل عليه السلام أرى في هذا اليوم إبراهيم عليه السلام أول المناسك. وقيل: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية الرؤيا بأن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح رَوَّى في نفسه وفكر أهذا أمر من الله، فسمي هذا اليوم بيوم التروية. وقيل: لأنه اليوم الذي رأى فيه آدمُ حواء. وقيل إن آدم أقبل من السند والهند حاجًا وكان في وقت الحر الشديد، فعطش فشكى ذلك إلى جبريل، فنفخ في الأرض جبريل نفخة فخرج منها الماء فسقى آدم، فقال: يا جبريل رويت؛ وكان ذلك هو يوم الثامن. وقيل: لأن الناس يتروون في ذلك اليوم تحت رحمة الله. وهذا اليوم هو يوم عظيم، وهو أول أيام الحج، وفيه يُحرم الحاج بالنسك ويتوجه إلى منى ليصليَ بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح قصرًا من غير جمع. والغاية من البقاء في منى في هذا اليوم أن يوم التروية هو محطة إيمانية في غاية الأهمية، يهيئ بها المسلم نفسه ويستعد للقاء ربه في يوم عرفات، ففي هذا اليوم يتهيأ المؤمن ليكون أهلاً للقاء الله. فلذلك ينبغي عليه أن يبادر إلى الأعمال التي تُعمل في هذا اليوم، والذي هو في الحقيقة تعظيم ليوم عرفة. فبقدر ما يعظم يوم عرفة في قلب المؤمن، بقدر ما يستغل الحاج هذا اليوم. فيوم التروية هو يوم ليتهيأ المسلم فيه للقاء الله، وهو توطئة ليوم عرفة أعظم أيام الدنيا، ومحطة من محطات تعظيم يوم عرفة. لهذا تطلب استعدادًا وتهيئة وتحضيرًا للنفس واهتمامًا، فكلما تعرف الإنسان على فضل يوم عرفة كلما اهتم بالشعيرة واحتاج إلى أن يستعد استعدادًا تامًا. فلذلك لا يليق بالمسلم أن يشتغل في هذا اليوم إلا بما يقربه إلى الله وإلا بما يظهر للحاج أنه أهل للقاء الله وأنه جدير بهذا اللقاء، وأن يصلح باطنه وأن يسلم قلبه. وينبغي عليه أن يجرد النية لله وأن يخلص لله سبحانه وتعالى، وأن يعقد العزم على الإخلاص وأنه ما أتى من بلاده إلا لطاعة الله وإلا احتساب الأجر من الله - سبحانه وتعالى - وإلا اقتناص الثمرات التي يحظى بها الحاج من خلال حجه. كذلك ينبغي عليه أن يجرد التوحيد لله سبحانه وتعالى، فالتوحيد هو غاية يوم عرفة، فنفي الشرك وتصحيح التوحيد من أهم مقاصد عرفة. فلا بد للحاج في يوم التروية من تصفية توحيده وتجريده من كل علائق الشرك، ففي يوم عرفة يظهر التوحيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. هذا هو شعار يوم عرفة، فينبغي على الحاج أن يجرد توحيده وأن يصفيه من كل ما هو شرك أصغر أو نحوه. كذلك ينبغي عليه أن يجرد قلبه من التعلق بالدنيا أو التعلق بغير الله وأن يفرغ قلبه لله. ولا يكون للحاج ذلك إلا أن يستقيم قلبه وإلا أن يصح قلبه ويسلم، وإلا فالقلب المريض المنغمس في الشهوات والملذات المفتون بالشبهات قلب مشغول عن الله، مشغول بكل شيء غير الله سبحانه وتعالى. كذلك ينبغي أن يجرد قلبه وجوارحه من أدران المعاصي وأن يعلن التوبة النصوح الصادقة المستوفاة الشروط ظاهرة وباطنة، فلا بد من أن يشتغل بالتوبة وأن يتمرغ بين أعتاب الرب يستغفره ويتوب إليه ويعلن افتقاره بين يديه، لعله يكون أهلاً للقائه في يوم عرفات. فلذلك هذا الإظهار يظهر في الإقبال على الله وبالتزود من الطاعات وفعل البر بما يجعل الحاج محبوبًا لله، فكلما أكثر المؤمن من الطاعات والصلوات والأذكار والدعاء وقراءة القرآن وقيام الليل وترك اللغو واللهو وضياع الأوقات، كان ذلك مما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا ما أقبل الحاج على ربه بهذه الطاعات فحري به أن يلقى ربًا كريمًا يباهي بحجاجه الملائكة ويقول لهم: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي، أتوني شُعثًا غُبرًا ضاجين، يا ملائكتي إني أشهدكم أني قد غفرت لهم. فينبغي للحاج في هذا اليوم أن يظهر أنه أهل للقاء الله وأهل لمناجاته وأهل لتجلياته وأهل لمغفرته وأهل لرحمته وأهل للوصل به وأهل للاستجابة له، حتى يعود من حجه كيوم ولدته أمه. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لطاعته وأن لا يحرمنا أجر الحج، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو السميع القريب المجيب، والحمد لله رب العالمين.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق