محطات التقوى في يوم عرفة

محطات التقوى في يوم عرفة

محطات التقوى في يوم عرفة

مقطع للشيخ فواز أحمد إزمرلي




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد أيها الأحباب الكرام، في مثل هذا الوقت يستعد الحجاج ليكونوا أهلاً للقاء الله يوم غد في عرفات. في مثل هذا الوقت يجتهد العابدون الحجاج المؤمنون من أجل أن يتحصلوا على المفتاح الذي يفتحون به باب ملك الملوك - سبحانه وتعالى - في يوم عرفات. في مثل هذا الوقت تدمع الأعين وتتذلل الجباه وتتخضع الرقاب للملك القدوس السلام القهار الجبار سبحانه وتعالى، طمعًا لما عنده من الرحمة والمغفرة والرضوان، ودفعًا لعقابه وغضبه وسخطه. يوم عرفة يوم عجيب عظيم من أيام السنة، يوم يتجلى الله فيه على العباد - كما سيأتي - ويباهي الملائكة بحجيجه. وقد ذكر أهل العلم عن سبب تسميته بيوم عرفة بأن جبريل علم سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام المناسك كلها بعرفة، فقال له: أعرفت في أي موضع تطوف وفي أي موضع تسعى وفي أي موضع تقف وفي أي موضع تنحر وترمي؟ قال له: عرفت؛ فسميت عرفة. وقيل إنما سمي بذلك لأن آدم لما نزل إلى الأرض نزل بالهند وحواء بجدة واجتمعا بعرفة وتعارفا. وقيل أن إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه ففكر في هذه الرؤيا، ثم رأى ليلة عرفة ذلك مرة ثانية فعرف أن ذلك أمر من الله فسمي هذا اليوم بيوم عرفة. وقيل سمي بذلك لطيب رائحته ومسك التجليات، مأخوذ من العَرْف الذي هو الأرج الطيب، ومنه قوله تعالى: ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُم﴾ أي: طيبها لهم، في إحدى التأويلات. وقيل إن في هذا اليوم اعترف آدم بذنبه فوقعت له التوبة فيه والقبول. وأيضًا قيل إن في هذا اليوم يتعارف الناس بعرفات، فيعرف الناس أخبار بعضهم البعض. وقيل لأن الناس يعترفون هناك بذنوبهم ويتوبون إلى الله سبحانه وتعالى. وقيل أيضًا ان الحور العين تستأذن رضوان فيطلعن على أزواجهن في يوم عرفة فيعرفن أزواجهن، فسميت عرفة بذلك. فهذا يوم عظيم، وهو يوم التجلي، فيه أكمل الله لنا الدين، وأقسم الله به فقال: والفجر. وهو عيد لأهل الإسلام، وهو أفضل أيام الدنيا، وهو يوم مغفرة الذنوب، وصيامه قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله)). وقال أنس رضي الله تعالى عنه: كان يقال في أيام العشر - يعني العشر الأوائل من ذي الحجة - لكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم؛ يعني في الفضل. فلذلك ينبغي على كل مؤمن أن يشتغل في هذا اليوم بالعبادة اللائقة له، الحجاج على صعيد عرفات يشتغلون بالعبادة والجأر إلى الله بالدعاء، وأيضًا المؤمنون في أصقاع الدنيا يجتهدون في هذا اليوم أن ينالوا فضله وخيره وما عند الله فيه. ومن أهم العمل في هذا اليوم هو الدعاء والتضرع إلى الله والالتجاء إليه والإلحاح بالسؤال، ليستنزل العبد الرحمات. ومن خير الدعاء دعاء يوم عرفة، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). والإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق، لأنه اليوم الذي يجدد العهد فيه مع الله، يوم تجديد العهد مع الله يوم أن أخذ الله على العبيد: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فالمجيء إلى هذا الموطن الأول من أجل أن يعلن ويظهر لله أني يا رب على عهدك ووعدك ما استطعت، لذلك يعلن شعار يوم عرفة وهو التوحيد الخالص: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. كذلك يحاول أن يكثر من فعل الحسنات والطاعات والتصدق، وأن يبتعد عن المعاصي وأن يحفظ جوارحه عن المحرمات في هذا اليوم، وخصوصًا معاصي السمع والبصر واللسان والاختيال والكبر، هذا يومٌ من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفِر له. وينبغي عليه أن يتعبد بإذلال الشيطان وإغضابه، لأنه ما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا أن الرحمات تنزل فيه فتتجاوز عن الذنوب العظام. كذلك ينبغي أن يكثر العبد في هذا اليوم من التذلل والاستكانة لله - سبحانه وتعالى - وأن يكثر من التضرع بين يدي الله حتى يشمله الله بالمغفرة، ولا ينزل من عرفات أو لا تغيب شمس هذا اليوم إلا وقد غفر الله للمؤمنين الطائعين وهو منهم. فلا يليق بالمؤمن أن يضيع ويفرط في هذه الأوقات الثمينة، يوم عرفة يوم المغفرة، يوم يقف فيه المحب على أعتاب وأبواب الحبيب الأعظم. فيحسن العبد المحب الظن بالله الحبيب، فمن وقف بباب الحبيب متذللاً لن يخيب، ومن وقف بباب الكريم لن يضيع. فينبغي أن يحرص المؤمن على الاستفادة من هذا الموسم، يحرص على أن يقتنص الأجر والجزاء الموفور والمغفرة الشاملة من الله وأن يجتهد لافتكاك نفسه من النار، فلا يمضي هذا اليوم إلا وقد دخل في سلك المغفور لهم المرحومين المقبولين. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا أهلاً للقائه وأهلاً لتجلياته وأهلاً لمغفرته وأهلاً لتوبته وأهلاً لرضاه وأن لا يحرمنا الأجر والمثوبة من عنده، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

رابط إضافي للتحميل

اضغط هنا

تعليقات