احذر من الاغترار بالدنيا

احذر الاغترار بالدنيا

(( احذر الاغترار بالدنيا ))

مقطع للشيخ فواز أحمد إزمرلي




الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. كثرت وتواردت وتواترت الآيات في القرآن الكريم التي تبين مدى سفالة الدنيا وحقارتها وقلة قيمتها، ومن هذه الآيات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وتفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَموالِ وَالأولادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَما الحيَاةُ الدُّنيَا إلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ﴾. من أجل أن نتدبر فلا نغرق في ملذاتها وشهواتها، ومن أجل أن نتعلم أن الدنيا زائلة، مهما طالت أعمارنا فهي زائلة ومهما أوتينا من نعيمها فهو زائل، وهي بالنسبة إلى الآخرة شيء لا يذكر من حيث المدة ومن حيث النعيم. فنعيم الله في الآخرة باقٍ لا يزول إلى أبد الآبدين، أما نعيم الدنيا فهو منغص بالنكد وبالمشاق وبالهم والتعب إلى غير ذلك. لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿اعْلَمُوا﴾، فهذا الأمر يحتاج إلى إزالة الأغشية عن القلب وعن العقل وعن الفكر الذي طغى بالانغماس في الدنيا، فيحتاج هذا الأمر إلى علم من الوحي، لأن العلم يستمد من الكتاب والسنة، فعلم ذلك لا يكون بالتجارب وبالوقائع وإنما يكون أولاً من الكتاب والسنة. ﴿اعْلَمُوا﴾ يعني: توجه أيها العبد إلى العلم لتدرك أن الحياة الدنيا - هذه الحياة التي أنت تعيشها في الدنيا وتترك الحياة الأخرى الحياة الأعلى - لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر. فالانغماس في الدنيا لعب كلعب الأطفال يلهو الطفل بالألعاب، ولهْو يشغل العقول ويطغي العقول ويُسْكر العقول والقلوب. وزينة، ﴿المالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، فالإنسان لا يغرق في هذه الزينة ولا ينكب عليها، وإنما يتخذ منها ما يستفيد منه. ﴿وتفاخُرٌ بَيْنَكُم﴾ لأن اللعب واللهو والتزين والإكثار مدعاة للتفاخر وللطغيان، أما المؤمن يعلم أن ما به من نعمة إنما هي نعمة من الله وهذه النعمة تستوجب الشكر، والشكر يُلزم العبد بالتواضع ومعرفة أن المنعِم الحقيقي إنما هو الله فيتذلل لهذا المنعِم ويشكر هذا المنعِم. ﴿وَتَكاثُرٌ فِي الأَموالِ وَالأولادِ﴾، فكل ما أوتيت من هذه الأمتعة الدنيوية فمتاع قليل زائل سريع زواله لا يصفى لأحد، لذلك ربنا لم يختر هذه الدنيا لأحب أوليائه ولأصفيائه: الأنبياء والمرسلين والأولياء وإنما اختار لهم ترك الدنيا للآخرة، لأنه أعلمهم وأعلمنا بأن زينة هذه الدنيا زائلة وفانية ومتاعها زائل وفانٍ لا يبقى. ولن يتنعم أحد هذا التنعم التام في الدنيا أبدًا، وإنما كما قلت نعيم منغص على صاحبه، همًا وغمًا وكد ونكد وتعب وغير ذلك. فالله يمثل لنا سرعة زوال هذه الدنيا - مهما أوتينا منها - بالغيث، والغيث هو المطر الذي ينزل بعد جفاف الأرض وبعد حاجة الأرض إلى الماء، وخصوصًا بعد قنوط الناس من إنزال المطر. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، لما ينزل الغيث على الأرض فتنبت الأرض، فهؤلاء الزراع يعجبون من جمال وخضرة وزهو هذا النبات، كما يعجب أهل الدنيا بدنياهم وبزينتهم. ولكن سرعان ما يهيج هذا النبات ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ ولم يقل ((فَيَصْفَرّ)) وإنما هو يُرى سريعًا الاصفرار. ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾، فأين فائدة النبات؟ ذهبت سريعًا. أين اللذة والإعجاب من الاخضرار ومن الثمر؟ ذهب سريعًا، وهكذا الدنيا والمعجب بها سيذهب سريعًا. فإذا انغمس في الدنيا وملذاتها وترك العمل للآخرة سيصيبه: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾. والمقبل على الدنيا عذابه في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة، فلن يتحصل على نعيم الدنيا إلا ما قدر له وما كتب له، وسيحاسَب على ذلك في قبره وعند لقاء ربه. أما المقبل على الله سيأتيه من الدنيا ما كتب له - ما هو رزقه - وينال في الآخرة مغفرة من الله الكريم ورضوان عظيم لا يعرف قدره إلا الله. ثم قال الله: ﴿وَما الحيَاةُ الدُّنيَا إلَّا مَتاعُ الغُرُور﴾، فهي متاع فانٍ زائل يغتر به من ركن إليه ويُعجب به من انغمس فيه، ولكن ينبغي على المسلم أن يعلم أن الدار الحقيقية والنعيم الحقيقي إنما هو في الجنان، فالجنان لمن اشتغل لها وتسابق للحصول عليها وترك الدنيا وأخذ منها ما يحتاجه، ليصل إلى الله إلى الآخرة، فما سَيُؤتاه في الآخرة من نعيم عظيم تحقر معه الدنيا ويحقر معه كل نعيم الدنيا، فمتاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة شيء قليل يسير حقير لا يصح التساوي أو التناسب بينهما. لذلك قال الله وهو أصدق القائلين: ﴿وَما الحيَاةُ الدُّنيَا إلَّا مَتاعُ الغُرُور﴾ بهذا الحصر والقصر، فمتاع الدنيا لا ينبغي أن يغتر به عاقل، لا ينبغي أن يغتر به من يصبو إلى الجنان ومن يصبو إلى نيل رضا الرحمن سبحانه وتعالى. متعنا الله برضوانه وقبوله والاشتغال للحصول على الجنان والمغفرة والرضوان، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.


رابط إضافي للتحميل

تعليقات