من حقائق الصيام 3

من حقائق الصيام


 من حقائق الصيام 3

للشيخ فواز أحمد إزمرلي





الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. 
أما بعد أخي الصائم، ينبغي عليك أن توقن بأن الصيام عبادة عظيمة لله تعالى، تتجلى فيها أسمى مظاهر العبودية وصورها، فالعبادة هي أمر جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة والاعتقادات، ومدارها على فعل الطاعة المحبوبة للمحبوب الأعظم سبحانه وتعالى، وعلى محبة الآمر بها والناهي وهو الله رب العالمين، ومحبة ما يحبه الله تعالى - ومنها الطاعات والأوامر - لأن حقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، بل إيثار محابه تعالى على محاب العبد. بل لا ينبغي أن تكون للعبد محاب إلا ما يحبه الله تعالى، وأن يفعل ذلك على مقتضى التعظيم لأمرين: الأول لعظمة الآمر بها، والثاني لعظمة فوائدها وأهميتها وفضائلها. وأن يفعل ذلك على مقتضى الرضى والرغبة والحرص والتلذذ والتذلل والخضوع، مع الصدق والإخلاص والاحتساب والمتابعة. فجماع الصيام صبر لابتغاء وجه الله كما قال تعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّهِم﴾، وحب لابتغاء القرب والوصل بالله - سبحانه وتعالى - فالله يقول: ﴿وإذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قرِيبٌ﴾، وتقوى تصد عن المعاصي وتحض وتدفع إلى فعل الطاعات والقربات، وذكر تطمئن به القلوب ﴿ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلوبُ﴾، وعداوة ظاهرة لإبليس وجنده، وهذا من تمام التوحيد وتمام العبادة، ومراقبة دائمة لله في السر والعلن، وقرب ووصل بالله تعالى، وتفريغ القلب لله حبًا وتعظيمًا وتمجيدًا وتكبيرًا. فالصيام تتجلى فيه مظاهر العبودية كلها، من خلال امتناع العبد المؤمن الصائم عن الأكل والشرب والشهوة والملذات في نهار رمضان. يفعل ذلك طاعة لأمر الله له بذلك، ومبادرة إلى الامتثال لهذا الأمر الكريم من الرب الكريم، فهو يترك الحاجات الأصلية المحبوبة له تنفيذًا لأمر ربه، ويمتنع عن شهوات نفسه وهواها تعظيمًا لأمر مولاه، ويعرض عن أكل ما لذ من الطعام وطاب وما ساغ من الشراب رغبة فيما عند الله من الأجر والثواب. وبهذه الطاعة وبهذا الامتناع يوقن ويتعلم بأن لهذا الكون ربًا يأمر وينهى يجب أن يطاع في الأمر وأن تُجتنب نواهيه، يطاع بكل ما أوتي العبد من قوة وطاقة، ويجتنب النواهي بكل حزم وإصرار. وبهذه الطاعة وبهذا الامتناع يعرف المؤمن الصائم قدر ربه، فيمجده ويكبره بقلبه ولسانه وجوارحه، كما قال تعالى: ﴿ولِتُكَبِّروا اللهَ على ما هَداكُم﴾. وبهذا التكبير والتمجيد والتعظيم يعرف المؤمن الصائم ضعف نفسه وعجزها وأنه مقهور لرب قهار، قانت لرب عزيز حكيم. لأن الصيام من أصعب الأشياء على النفوس، لأنه خلاف ما جُبِلت عليه. فالصيام ركن من أركان الإسلام وشعبة من شعب الإيمان، والصوم يقطع أسباب التعبد لغير الله تعالى إذا صامه الصائمون كما يجب، ويمحض الصيام التعبد لله تعالى ويفرغ القلب لخالقه وبارئه ويملؤه حبًا وتعظيمًا وتمجيدًا لربه العظيم. وحياة القلب لا تكون إلا من خلال حب الله وتعظيمه وتمجيده، فبذلك يكون الصيام مادة لحياة قلب المؤمن الصائم. وبالصيام يتلمس الصائم مقدار عظمة رحمة الله بالصائمين، حينما يستشعر الصائم ثمرات الصيام وفوائده ويدرك بعض الحكم من فرض الصيام، ويتذوق هذه الفوائد ويعيش فرحًا بوصل قلبه بالله تعالى. فلم يُشرع الصيام إلا رحمة بالعباد ولطفًا بهم وإحسانًا من الله الكريم بهم، فهو غاية الحكمة والرحمة والمصلحة. 
رزقنا الله وإياكم الإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين


رابط إضافي للتحميل

اضغط هنا

تعليقات