من حقائق الصيام 1
من حقائق الصيام 1
للشيخ فواز أحمد إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أخي الحبيب، لا بد من أن تعلم أن للصيام حقائق ينبغي ألا يجهلها الصائم، وسأسرد في هذه الكلمات على توالي بعض الحقائق عن الصيام. ونحن نعرف ونعلم ونوقن أن الصيام محطة لتحضير النفس والقلب والجسد، محطة للتطهير والتوبة وللعلم، محطة للتعظيم والمعرفة، فلذلك ينبغي على المسلم أن يغوص في حقائق الصوم ليدرك نعمة الله عليه ويعلم يقينًا أن الله فرض الصوم إحسانًا إلى العباد ولطفًا منه ورحمة سبحانه وتعالى. من حقائق الصوم أن الصيام أول عبادة فرضت على آدم في الجنة، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقرَبا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فتعبد الله سبحانه وتعالى آدم بالإمساك عن أكل شجرة بعينها، مع أنه أباح له الأكل من كل ثمار الجنة حيث قال: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾. فهذه أول عبادة تعبد الله بها آدم في الجنة، مما يدل على أهمية التعبد بالترك والامساك والمنع، كما أن للتعبد بالأمر من أهمية. فجماع معنى الصيام في أصل اللغة: الكف والإمساك والامتناع، وذلك هو السكون وضده الحركة. لهذا كما قال الحافظ ابن القيم: قرن الله تعالى بين الصوم والصلاة في كثير من المواطن، لأن الصلاة حركة إلى الحق والصوم سكون عن الشهوات. وهذا الابتلاء من الله لآدم بالإمساك عن أكل هذه الشجرة لهو الأساس الذي يتعرف به العبد على ضراوة عداوة إبليس له، فكانت هذه التجربة حتى يحمل آدم معه هذه العداوة إلى الأرض، والتي تعلم منها آدم - فضلاً على عداوة إبليس - تعلم طرق غواية إبليس ومكره وعناده وحسده وكبره. فاقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته أن أذاق آدم وبال مخالفته، وعرفه ما يجني من عواقب إجابة الشهوة والهوى، ليكون أعظم حذرًا فيها وأشد هروبًا. فالصيام من أعظم مظاهر العبودية لله سبحانه وتعالى، حيث يترك الصائم محبوباته تقربًا إلى الله، ويدع شهواته ابتغاءً لمرضاة الله، ويخلص لله مع تسلط أعتى الأعداء عليه، ويعبد الله مع معارضات الهوى والشهوة والنفس والعدو، ويترك مألوفاته من أجل ربه. وهذا مما تستجلبه المحبة الصادقة الحقيقية، فالمحبة الصادقة إنما تتحقق بإيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس، واحتمال أعظم المشاق في طاعته ومرضاته. فبهذا تتحقق المحبة ويعلم ثبوتها في القلب، فإن المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض والصوارف هي المحبة الحقيقية النافعة، كما قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة. فإذا ما تذوق القلب لذة الحب للمحبوب الأعظم، وغاص في خضمها، تعرف على مولاه وسبح في بحر معاني أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعبد ربه بها مع الذل والانكسار، وفرغ قلبه لله تعالى فيتذوق القلب حينئذ عز الطاعة بتذلل لله، وحلاوة القرب بالانكسار لربه والإنس بوصله ومناجاته، وذكره بتفريغ القلب سبحانه وتعالى. في الحقيقة، لا أنس للعبد إلا بالله، ولا لذة حقيقية إلا بقربه، فالوحشة كل الوحشة بالإعراض عن الله والغفلة عنه سبحانه وتعالى. فالصيام إذًا حياة للقلب وصلاح له وتعمير وتفريغ له بحب الله، فلهذا كان الصيام من أوائل العبادات التي تَعَبَّد اللهُ بها آدمَ، هذا والله سبحانه وتعالى أعلم
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق