غفلة الناس
(( غفلة الناس ))
مقطع للشيخ فواز إزمرلي
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أنقل إلى إخواني كلام شيخ الإسلام ابن القيم في كتابه الماتع ((التبيان في أقسام القرآن)) يبين لنا فيه - رحمه الله تعالى - كيف أن الغفلة قد ملكت على الناس عقولهم فضاعوا في متاهات الدنيا وغياهب الشهوات فانزلقوا إلى مزالق خطر كثيرة، يقول رحمه الله:
فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون، قد ملكهم الحس وقلَّ نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل، وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يُبعث ولا يُسأل، وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه. فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة، يسعون لما يدركون ويتركون ما هم به مطالَبون، ويعمِّرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون، وهم عن الآخرة هم غافلون. ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. والعجب كل العجب من غفلة من تُعَدُّ عليه لحظاته وتُحصى عليه أنفاسه، ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يُحمل ولا إلى أي منزل يُنقل:
وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدرِ في أي المحلين تنزل
وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته، لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد. فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات، لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن يأتي، فما الظن بأمر متيقن. كما أنه لصدق إيمانهم وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر، فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية. قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال: كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم، حتى لو أن حبيبًا لأحدهم غاب عنه حيناً ثم قدم لما التفت إليه، فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس، ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه.
انتهى كلام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق