عظمة السجود لله تعالى

عظمة السجود لله تعالى

عظمة السجود لله تعالى

مقطع صوتي للشيخ فواز إزمرلي





الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه..
أما بعد أيها الأحباب الكرام، لقد أنعم الله على المسلمين وعلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بفرض خمس صلوات في اليوم والليلة. وهذه الخمس كما ذكر في حديث المعراج أنها خمس بخمسين، فهي خمس في العدد وخمسين في الأجر والنفع. لذلك ينبغي على المسلمين أن يعرفوا فضل هذه الصلوات، وأنها باب الولوج على ملك الملوك سبحانه وتعالى. يقول عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: إذا كان العبد في صلاته فإنه يقرع باب الملك، وإنه من يدأب قرع الباب يوشك أن يفتح له.
فينبغي على المسلمين أن يعرفوا قدر الصلاة وقدر نعمة الله عليهم بفرضيتها، لذلك من مثلك يا ابن ادم؟! سمح لك بمناجاة الرب والدخول في داره والسجود على أعتابه كل يوم خمس مرات فرضًا وما شئت نفلاً. تناجيه، تشكو إليه، تبث إليه شكواك، تعظمه، تحبه، تتذلل له، تستشعر عز الطاعة. لذلك قال بكر بن عبدالله المزني: من مثلك يا ابن آدم؟ خُلِّي بينك وبين المحراب، متى شئت دخلت على ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان.
فالسجود يعرفك بالله ويعلمك كم هو عظيم، لأن السجود هو ذل بظاهر الجسد من أجل أن تستشعر - أخي الحبيب - عز الباطن، وإن العز الحقيقي لا يكون إلا بالله. السجود يعلمك التوحيد ويصفيه من الغش والانحراف، فالسجود الحق يوصلك إلى التوحيد الحق، فأي خلل في سجودك يؤدي إلى خلل في توحيدك. فهو قرة عيون المحبين، فالمحب يشتاق أن يرى حبيبه وأن يسمع صوته وأن يتكلم معه، فالسجود هو طريق إلى ذلك، فكيف ينطفئ الشوق إلى الله وأنت لا تعرف قيمة السجود بين يديه سبحانه وتعالى. والسجود لذة أرواح الموحدين، فعز الباطن يستجلب لك لذة اللقاء بالعزيز، فبالسجود تنال شرف كرامته والفوز بقربه وإقباله على ربه والقيام بين يديه، فيستشعر الفرح واللذة والنعيم الناتج عن الحب والتعظيم مع التذلل والخضوع. لذلك لما سأل ثوبان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله، قال له: ((عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة)). وفي حديث عبادة بن الصامت: ((ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود)). وفي حديث أبي هريرة: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)).
فحينما يتذلل القلب فتذل الجوارح لتذلل القلب وتخضع الجوارح، يكون العبد أقرب ما يكون إلى ربه سبحانه وتعالى. فلذلك ذم الله من قصر وفرط في السجود، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾
انظر أخي الحبيب، الذلة الحقيقية لأنهم ابتعدوا عن التذلل لله في الدنيا، فأصابتهم الذلة يوم القيامة حيث لا ينفع الندم. ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ أبوا، فرطوا، قصروا، حرفوا، تهاونوا، لم يكونوا يسجدون السجود الحق الصحيح، ينقرون كما ينقر الديك ويسبحون تسبيحًا لا يُفهم. فهؤلاء يدعون إلى السجود الحق الصحيح الذي فيه التذلل لله والخضوع والتمسكن بين يدي الله، ذل بظاهر الجسد وباطن القلب. لذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) وكان يقول: ((يا بلال أرحنا بها))، لأن الله يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وإنها لَكَبِيرَةٌ إِلا على الخاشِعِين﴾.
فينبغي على العباد أن يدركوا عظمة السجود، وعظمة اللقاء مع الله في الصلاة، وعظم المناجاة لهذا الرب. والله حتى يشعر المؤمنين بأهمية الصلاة والسجود، أحاط الله بهذه العبادة أمورًا كثيرة، يدلل بها على عظمة الصلاة. فأمرنا بالوضوء، وأمرنا بطهارة البدن والثوب والجسد، وأمرنا أيضًا بالطهارة الباطنة طهارة القلب من الشرك والشبهة والانحراف، فلا ينبغي على العبد أن يقدم على ربه ويقف بين يديه إلا طاهر القلب والجسد، فطهارة القلب ملازمة لطهارة الجسد. ثم بنى المساجد، بيت الله الكعبة في مكة وبيوت الله منتشرة في الأرض، وجعل للصلاة أماكن سماها بيوت الله ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، فهي داره ومحل عبادته. ثم أمرنا بأن نصف صفوفًا مستوية ونتابع الإمام وأن نستقبل الكعبة بوجهنا وبدننا، فكما أن الكعبة هي قبلة الجسد فينبغي أن يكون رب الكعبة قبلة قلبك وروحك. كل ذلك من أجل أن تصل إلى السجود بكل أعضائك، ناصيتك بالأرض راغمًا أنفك، واضعًا أشرف ما فيك بالأرض مسبحًا لله بعلوه في أعظم سفولك، فيسجد القلب كما يسجد الوجه. أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فلا يليق بالمسلمين أن يكون سجودهم كما ينقر الديك، بل ينبغي أن يكون السجود ظاهره التعظيم وباطنه التعظيم، حتى يقترب العبد من ربه سبحانه وتعالى ويتذلل له فيستشعر العز بالذل فيعز بين يدي ربه يوم القيامة يوم يذل الذين تكبروا على السجود وقصروا فيه.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعلمنا الحق ويهدينا إلى سواء الصراط


رابط إضافي للتحميل

تعليقات