الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد أيها الأحباب الكرام: ينبغي على المسلم أن يعرف قدر المساجد، أن يعرف قدر هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾. هذه البيوت التي نسبها الله إليه فهي بيوت الله - أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها - ينبغي على قلوب المؤمنين المحبين أن تتعلق بها، ينبغي على المسلمين أن يحبوا أن يكونوا فيها ليؤدوا الصلاة وليذكروا الله فيها وليقرؤوا القرآن وليعتكفوا فيها ويلبثوا فيها؛ ولا يكون ذلك إلا ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشُغِف بالصلاة. فلما تتعلق قلوبنا بالصلاة فنحب أن نؤديها في أشرف مكان، حتى نحظى بأشرف فضل وأكرم فضل، وحتى نحظى بأشرف أداء لهذه الصلاة؛ وأشرف الأداء هو ما كان في أشرف الأماكن التي جعلها الله لهذه الصلاة. فينبغي على المسلم أن يتعلق قلبه بالمسجد، وإن تعلق قلبه بالمسجد حظي بأجر عظيم وشرف عند الله سبحانه وتعالى، بأن يظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، رجل قلبه معلق بالمساجد. هذا القلب الذي تعلق في المسجد واشتد حبه للمساجد ولازم الجماعة في المساجد، هذا الذي تعلق قلبه بالمكوث في المساجد لأنها بيوت الله فواظب على شهود الجماعات وواظب على حضور قلبه وجسده للصلوات، هذا الذي تعلق بالمسجد فإذا خرج منه تراه يهتف بهذا المسجد ولا يتمنى إلا الرجعة إليه، فينوي الرجوع إليه ويترقب وقت الصلاة الأخرى حتى يعود وهو في شوق.. في اشتياق.. في محبة. فلذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل: ((رجل قلبه معلق في المساجد))، فكأنه كالقنديل - كما قال أهل العلم - وضعه في المسجد، فهو يذهب بجسده ولكن القلب موجود في المسجد. فهو يتردد في جميع أوقات الصلاة فيصليها ويحرص على أدائها في المسجد، فهو ملازم للمسجد بقلبه، ملازم للمسجد بروحه، ملازم للمسجد بنيته. فلذلك قال أهل العلم: فهذا مما يديم الحسنات على المؤمن لأن من نوى حسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرًا. فهذا الأجر العظيم الذي يحظى به المسلم الذي تعلق بالمسجد أجر لا ينبغي أن يفوته المسلم، أن يستظل بظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بقوله: ((من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح)). وهذا طبعًا من فضيلة المسجد ومن فضيلة الصلاة في المسجد، فإذا غدوت أو رحت إلى المسجد فالله يعد - يهيئ - لك الله الكريم هذا النزل من الجنة، فيعني أنك ضمنت الجنة ولكن الله لا يريد لك أي نزل وإنما يريد لك نزلا أعده لك وهيأه لك، والكريم إذا أعد نُزلًا لحبيبه فسيكون النُزُل عجيبًا غريبًا. فلذلك إذا كان الرواح والغدو إلى المسجد له هذا الفضل، فما ظنك أخي الحبيب بمن يصلي في المسجد جماعة مع جماعة المسلمين، ويمكث في المسجد لانتظار الصلاة، ويمكث في المسجد بعد الصلاة للذكر والدعاء؟ فهذا كله من الفضائل العظيمة التي رتبها الله لمن يحضر مساجد الله، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكَاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبصارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزيدَهُم مِّن فَضْلِهِ واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيرِ حِساب﴾. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يمتعنا وإياكم بهذه الأجور، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.
تعليقات
إرسال تعليق