لمحات في سورة الفاتحة
((لمحات في سورة الفاتحة))
محاضرة للشيخ فواز أحمد إزمرلي
في دولة الكويت سنة 1439هـ / 2018 م
انظر أخي الحبيب إلى أول كلمة تطرق سمعك من القرآن ومن الفاتحة، ألا وهي ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، الحمد هي أعظم الصفات وأشملها وأوسعها، فيحتاج منك - إن صدقت مع الله في حمده - أن تتعرف على الله، في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، ثم تؤمن بهذه الأسماء والأفعال والصفات، ثم تعظم هذا الرب بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم تحبه على ذلك وتعرف حكمته في هذا الكون الذي هو ملكه والأمر فيه أمره، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأراضين ولا ما بينهما. فحينما تقول أخي الحبيب: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيعني أنك تثني على الله بكل صفة جمال وكمال، وبكل فعل جميل وكامل، وبكل اسم من أسمائه الحسنى. فكلما تعرفت على هذا الرب العظيم كلما كنت صادقًا في حمده، وكلما أعرضت فجهلت الأسماء أو الأفعال فأنت مقصر - أخي الحبيب - في حمدك لرب العالمين. فلذلك حينما يقول أحدنا ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بلسانه وقلبه جاهل عن الله، لا يعرف أسماء الله ولا يعرف صفات الله ولا يعرف تلك الأفعال الجميلة الحكيمة التي يفعلها الله، فهو والله غير صادق في حمد الله. فلذلك حينما تقول ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فإن قولك هذا يلزمك التعرف على هذا الرب العظيم، والله كلما تعرفت عليه أحببته، وكلما تعرفت عليه تقربت منه، وكلما تقربت منه تقرب منك سبحانه وتعالى. ومن منا يستطيع أن يدعي أنه بمنأى من عون الله وأنه قوي قوة تجعله لا يحتاج إلى الله؟! هذا مغرور والله، فالكل محتاج إلى هذا الرب الصمد الغني سبحانه وتعالى. فالعباد كلهم يفتقرون إليه، إلى عونه. يفتقرون إليه، إلى تربيته. يفتقرون إليه، إلى تعظيمه والثناء عليه سبحانه وتعالى. فلذلك التعرف على هذا الرب العظيم واجبنا ودأبنا وديدننا في هذه الحياة، فنتعرف عليه في الكتب، في القرآن وفي السنة وفي كتب علمائنا، ثم نتعرف عليه في هذا الكون، فنرى آثار عظمة الله في خلقه وفي مخلوقاته وفي حكمته وفي مفعولاته، فتكثر ويكثر تعلقنا بهذا الرب العظيم فنحبه حبًا يملك علينا قلوبنا وجوارحنا. فإن كنا غير ذلك، فنحن في خطر والله أيها الأحباب الكرام. انظر إلى نفسك، كم تحب هذا الرب؟ وأنت تقول يوميًا في كل ركعة من ركعات صلاتك: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾. تعظم الله بلسان، ولكن أين تعظيم القلب؟ أين تعظيم القلب وتعظيم الجوارح واستشعار هذه العظمة وأنت تقف بين يدي الرب؟ أنت تقف في الصلاة فأنت تقف بين يدي ربك، تقف بين يدي الجبار العظيم. فلذلك انتبه أخي الحبيب، لو كنت تقف بين يدي زعيم أو تقف بين يدي مسؤولك أو مديرك، كيف سيكون حالك؟ احترام وتقدير وإجلال، وهذا بشر مثلك، فلماذا لا تقف بين يدي ملك الملوك بهذا التعظيم والإجلال؟ لماذا لا يستشعر قلبك المهابة لله سبحانه وتعالى؟ فلذلك إخوتي وأحبتي لا يستقيم حمدنا إن لم نتعرف على الله، ولا تستقيم معرفتنا بالله إن لم نتعرف على الله، والله قد عرَّفنا نفسه في هذه السورة المباركة.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، تعرفون ما معنى الحمد لله؟ سأقولها باختصار، كل الحمد في كل الأزمنة قبل الخلق وبعدهم إلى أبد الآبدين، التعظيم الكامل والثناء التام هو حق ثابت مُلك لهذا الرب العظيم. فإذا استشعر قلبك هذا الحمد بتمامه وكماله، لا بد أنك ستخضع لهذا الرب العظيم وأنت في الصلاة. فلذلك هذه السورة كما قلت هي مفتاح يفتح عليك باب ملك الملوك، وهي مفتاح لخشوعك في الصلاة. فلذلك إذا تدبر الإنسان كل حركة وكل قول وكل ذكر في صلاته أثمر لديه خشوعًا عظيمًا بين يدي الله سبحانه وتعالى. وهذا الحمد أوقعه الله على أعظم اسم له، وهو الاسم الجامع: الله. الحمد لله ثابت مستقر لذاته سبحانه وتعالى، الحمد لله الرب الرحمن الرحيم، فهو محمود في ألوهيته، وهو محمود في ربوبيته، وهو محمود في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.
حينما تقرأ سورة الفاتحة تتعرف على هذا الرب العظيم وكم أنت محتاج إليه، لأنه يملك الدنيا والدين، لأنه يملك الدنيا والآخرة. فأدعياء ملوك الدنيا كثر، كلٌّ يدعي أنه ملك وأنه يملك هذا البيت أو هذا المحل… كل يدعي المُلك والمِلك، ولكن المالك الحقيقي للدنيا إنما هو الله. أما في الآخرة فلا يوجد هناك من يدعي المُلك، لأن الكل قد عاين أن لا مَلِكَ ولا مالك هناك إلا الله. لمن المُلك اليوم؟ لا أحد يجيب. لمن المُلك اليوم؟ فيجيب الجبار فيقول: لله الواحد القهار.
وحينما تتعرف وتوقن بأن الحَكَم يوم القيامة إنما هو الله، هذا يعطيك رهبة من هذا الخالق العظيم، لأن الذي يحكم على أفعالك من خلال أوامره إن نفذت أو أعرضت هو الله الآمر الناهي. فأين المفر؟ فهذا يدفعك إلى خشيته وإلى هيبته، وهذا يدفعك إلى مراقبة الله في سرك وعلانيتك لأنك ستقدم يوم القيامة فتقف بين يديه وسيحاسبك عن كل صغير وكبير، فلا مفر من الله. وهذا يعطيك الطمأنينة إن عبدت الله وإن أحسنت بأن هذا الرب، الذي يعدل بين الناس لا يظلم أحدًا، سيعطيك حقك من خلال طاعتك وسيجزيك خير الجزاء عن كل ما فعلت في الدنيا. فأحسن في الدنيا طاعة لله وعبادة لله، الله يجازيك أحسن ما فعلت.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فهو ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم وهو الذي يفعل ما يصلح شؤونهم، يعطيك المال ويعطيك الولد ويعطيك الصحة ويعطيك العمل ويعطيك الرزق، كل ما أنت فيه من نِعم، إياك أن تغتر فتقول: هذا من جهدي ومن عملي ومن علمي. كل ما بك من نعمة إنما هي من الله سبحانه وتعالى، وما بكم من نعمة فمن الله. اعترف لهذا الرب بنعمه وبربوبيته عليك، ثم اعبد هذا الرب، قابل هذا الرب - الذي أنعم عليك - بالعبودية. لذلك نقول في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. من اعتقد وآمن وأيقن بأن ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لا بد أن يثمر عنده ولديه عبادة مخلَصة لله سبحانه وتعالى.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لا نعبد إلا أنت، لا نبتغي من عباداتنا رؤيا الناس ولا نبتغي المصالح من الناس، فوالله هؤلاء الناس هم أحوج إلى عون الله منك. ولكن اقصد في صلاتك وفي زكاتك وفي حجك وفي صومك وفي دعوتك وفي ذكرك وفي قراءتك للقرآن وفي دعائك، اقصد وجه الله سبحانه وتعالى. فهو المالك للمال ولرب المال، فهو الذي يعطيك وهو الذي يقدر لك وهو الذي يرزقك وهو الذي يحميك، فلذلك لا يستحق العبادة إلا هذا الخالق الرب العظيم سبحانه وتعالى. ولا تُبطِل هذه العبادة بالرياء، ولا تُبطِل هذه العبادة بالهوى والبدعة. لذلك أخوتي الأحبة شروط العبادة كثيرة، ولكن أهم شرطين فيها: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والموافقة لشرع الله.
حينما تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، يعني قلبك عظم هذا الرب، فقدمت ما للرب على عبادتك، وقدمت قسم الرب على قسمك، فقلبك إذًا عظم هذا الرب. فلما يعظم هذا الرب العظيم سبحانه وتعالى تعظيمه لا بد من أن يثمر عندك عبادة صحيحة، عبادة مخلصة، عبادة تفعلها وفق شرع الله، وهذا يتطلب منك العلم الصحيح بالكتاب والسنة الصحيحة وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فأي تقصير في هذا هو تقصير في العبادة، تجد كثيرًا من الناس يصلون وأغلب صلاتهم لا توافق صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فحينما تقول في الصلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، تعرف على أحكام الصلاة، تعرف على أذكار الصلاة، تعرف على صفات الصلاة، حتى تكون صادقًا مع هذا الرب الذي تقف بين يديه.
ثم تقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالعبد لا حول له ولا قوة إن لم يعطه الله القوة. أنا صليت ولكن بعون الله، واهتديت بهداية الله، وأتيت إلى المسجد بتوفيق من الله، فما بي من نعمة من عبادة فإنما هي من الله. فلذلك اشكر هذا الرب الذي أنعم عليك بالهداية والعبادة والتوفيق للإتيان إلى مساجد وبيوت الله سبحانه وتعالى. هذه النعمة العظيمة، النعمة التي ما بعدها نعمة، ألا وهي التوفيق والهداية إلى دين الإسلام ؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
لذلك جاء الطلب: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾. وأنت تصلي أخي الحبيب، استشعر جواب الله لك في كل جملة وفي كل آية من آيات الفاتحة، فإذا قلت: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، انتظر قليلاً واستشعر ربك يقول لك.. للملائكة: حمدني عبدي. انظر إلى هذه العظمة، كلما عظمت الله شرفك الله في أعلى عليين. فإذا قلت: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول لملائكته: حمدني عبدي. فإذا قلت ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول: أثنى علي عبدي. وإذا قلت: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول الله: مجدني عبدي. ثم إذا قلت: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
اقرأ الفاتحة، واقرأها كل حرف بحرفه، لا تقرأ الجمل كلها مع بعض، وإنما قف عند كل رأس آية حتى تستشعر جواب الله، وهذا مما يولد لديك خشوعًا وخضوعًا وتمسكنًا لهذا الرب. فلا شرف لك إلا بطاعته، ولا عز لك إلا بالتذلل بين يديه سبحانه وتعالى.
﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾: دعاء من القلوب لا من الألسنة، تقول هذه القلوب: يا رب، نحن بحاجة إلى هدايتك أكثر من حاجتنا إلى النفس وإلى الهواء وإلى الماء. لأننا إن انقطع النفس نموت ولكن لن نخسر الآخرة، وإن انقطعنا من العطش والجوع نموت بعد أيام ولكن لن نخسر الآخرة. ولكن إن انقطعت عنا هداية الله، قطعًا ويقينًا خسرنا الدنيا والآخرة. فلذلك اطلبوا من الله وأنتم تصلون بقلوب مستشعرة لحاجتكم إلى الهداية، ولا تقولوا كما يقول بعض العوام: نحن يا أخي مهتدون، فلماذا نطلب ﴿اهْدِنا﴾ في كل ركعة؟ فمعنى ﴿اهْدِنا﴾ ثبتنا ! ليس ثبتنا، وإنما الدعاء بالتثبيت هو جزء من ذلك. حينما تقول ﴿اهْدِنا﴾ يعني أنت تطلب من الله أن يهديك إلى الطريق ثم يخصك بتوفيق ثم يثبتك على الطريق، فأي فتنة تعترضك أو أي شبهة تعترضك يوفقك الله الرب العظيم للهداية فيها، فلا تنحرف لا يمينًا ولا شمالاً وإنما تبقى ثابتًا. هناك أمور تحتاج في كل لحظة إلى هداية الله فيها، هناك أمور أنت تجهل حكم الله فأنت تطلب الهداية فيها. فلذلك الهداية ملازمة لك إلى أن تدخل الجنة، تدخل الجنة بهداية من الله، حتى الجنة دخولها يحتاج إلى هداية من الله وتوفيق من الله سبحانه وتعالى. فنحن محتاجون إلى هذه الهداية أكثر من حاجتنا إلى الأكل والشرب والشهوة والهواء والماء.
﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، ما هو الصراط المستقيم؟ في اللغة - أيها الأحباب - يقول العلماء أن الطريق لا يقال أنه صراط إلا إذا تضمن خمسة أمور: الأمر الأول سهولته ويسره، الأمر الثاني استقامته، الأمر الثالث تَعَيِّنه للمقصود، الأمر الرابع أنه يسع كل المارين فيه، الأمر الخامس أنه مستقيم، لا يقال صراط إلا إن تضمن هذه المعاني. وهذه المعاني موجودة في الإسلام فلا طريق إلى الله إلا بالإسلام، وفي محمد صلى الله عليه وسلم فلا طريق إلى الله إلا عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وفي القرآن فلا طريق إلى الله وإلى رضوانه إلا باتباعنا للقرآن ولسنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم. فحينما يقول المسلم: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، يجأر إلى هذا الرب العظيم أن يوفقه من وقت خلقه إلى دخوله الجنة بهذه الهداية إلى الحق في كل لحظة، إلى أن يأخذ الله الروح ثم إلى أن تدخل الجنة عند ربك سبحانه وتعالى. فلذلك أيها الأحباب الكرام، هذه السورة العظيمة هي منهج حياتك، هي طريقك إلى الله، هي طريقك إلى نيل رضا الله. فحينما تطلب الهداية إلى الصراط المستقيم تطلب أيضًا أن يجنبك الله طرق الغواية والضلالة، أي كل طريق ليس مستقيمًا وليس صراطًا. فالانحراف عن الصراط المستقيم إما أن يكون بضلال وإما أن يكون بغضب، فلذلك المؤمن يطلب من الله فيقول: يا رب قد سلك الصالحون قبلي فوصلوا إليك، قد سلك المؤمنون قبلي هذا الطريق هذا الصراط فوصلوا إليك ورضيت عنهم، فيا رب اجعلني ممن يسلك هذا الصراط الآمن الذي يوصل إليك، وابعدني عن صراط كل من أغضبك يا رب فعرف الحق وخالفه أو ضل بأن كان جاهلاً بطريق الحق.
﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَليْهِم﴾، انظر أخي الحبيب، هذه الهداية نعمة من الله، ونعمة الله تستوجب منك شكرًا، وهذا الشكر هو تمام العبادة لله سبحانه وتعالى.
﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ﴾، ثم تقف قليلاً ثم تقول: ((آمين))، أي: ربِّ استجب.. ربِّ استجب.. ربِّ استجب.
اللهم اجعلنا يا رب العالمين من المقبولين المرضيين، ولا تجعلنا من المطرودين عن باب رحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم لا تحرمنا رضاك، اللهم لا تحرمنا رضاك، اللهم لا تحرمنا رضاك، وجنبنا نارك وغضبك يا رب العالمين، اللهم آمين آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على سيدي وحبيبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رابط إضافي للتحميل

تعليقات
إرسال تعليق