الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف مخلوق خلقه الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد أيها الأحباب الكرام، سنتناول مع فضيلتكم ومع حضراتكم وقفات مع صفات عباد الرحمن، فالله - سبحانه وتعالى - فضّل نوعًا من العباد فنسبهم إليه وشرفهم وعظمهم، حيث نسبهم إلى اسمه الرحمن، ثم وصفهم بعنوان العبودية. فهي إيذان من الله العلي القدير بأن هؤلاء قد حققوا العبودية الكاملة المطلوبة منهم، فجازاهم برحمة واسعة مبالغ فيها، فشرفهم وفضلهم واختصهم بجزاء عظيم يليق بسعة رحمة الله سبحانه وتعالى. ﴿وعِبادُ الرَّحْمَٰنِ﴾ هم حققوا العبودية، أطاعوا الله في كل ما أمر وانتهوا عن كل ما زجر، وتأدبوا بآداب الإسلام وتعاملوا مع الخالق التعامل الذي يليق به ثم تعاملوا مع الخلق التعامل الذي يليق بهم، ثم تعاملوا مع المخلوقات - مع الأرض والسماء والهواء - هذا التعامل الذي يدل على أنهم فهموا حقيقة هذا الدين. فلذلك أيها الأحباب الكرام، كانت الصفة الأولى من صفات عباد الرحمن أنهم ﴿يَمْشُونَ على الأَرْضِ هَوْنًا﴾، ومشيهم على الأرض بحلم ووقار وسكينة وتؤدة وتواضع يدل على صحة عباداتهم، فهذا المشي في الدنيا على الأرض يدل على أن عبادتهم صحيحة، فهذا المشي هو ثمرة من ثمار صحة عباداتهم. فهم عرفوا قدر ربهم فعظموه وعبدوه ثم عرفوا قدر أنفسهم وأنهم ضعفاء عاجزون لا حول لهم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فتواضعوا لربهم، ثم عرفوا أنهم عباد على أرض الله - فالأرض أرض الله والسماء سماؤه - فهم يفترشون أرضه ويأكلون من رزقه، فهل يليق بهم وهم عباد يحتاجون إلى خالقهم أن يتكبروا؟ أن يمشوا مشية تكبر وتجبر؟ لا والله. فلذلك حققوا هذا التواضع الذي هو ثمرة من ثمار العلم الصحيح والعبادة الصحيحة. ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ على الأَرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾: فهم أهل حق لا يضيعون الأوقات، هم عرفوا أن لا خير في هذه الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في الدرجات، كما قال الإمام ميمون ابن مهران: لا خير في الحياة إلا لتائب أو لرجل يعمل في الدرجات؛ فأما التائب فيمحو بتوبته ما سلف من السيئات، وأما العامل فهو يرتقي في الدرجات، ومن عداهما فهو خاسر. فلذلك استغلوا عقولهم وأفكارهم وقوتهم ومالهم وجهدهم ووقتهم، كل ذلك استغلوه من أجل أن ينالوا رضا الله سبحانه وتعالى. فلا وقت لديهم للغو ولا وقت لديهم لضياعه، فهم حريصون على الوقت أشد الحرص. أخي الحبيب، هذا العمر الذي تعيشه هو كنز من الكنوز التي أعطاكها الله، فاحرص على أن لا تضيعه إلا بطاعة.. إلا بعمل صالح.. إلا بذكر.. إلا بتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. والله سيسألك عن كل لحظة مرت ماذا عملت فيها، يقول ربكم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. كل يوم يمر عليك يقربك إلى ربك.. يقربك إلى حتفك وإلى موتك، فاحرص أن تستغل هذا العمر في طاعة الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء عباد الرحمن عرفوا قدر هذا الوقت وأنه كنز ثمين، فلربما بتسبيحة تنال رضا من الله، وربما بتوبة صغيرة تنال الرضا والقبول عند الله سبحانه وتعالى، ولربما عبرة ودمعة تظهرها لله خشية من الله تكون سببًا لفوزك ونجاتك بجنان عرضها السماوات والأرض. فلا وقت للجهل ولا وقت للغو ولا وقت للسفه، إنما وقتهم هو عبادة.. هو طاعة.. هو عمل صالح. فإن صادفهم الجهال لا يعاملون الجهال بجهل، وإذا خاطبهم الجاهلون بجهل وسفه من أجل أن يضيعوا عليهم طاعاتهم ووقتهم هم يبادلون هذا الجهل بالسلام، أي: يقولون قولاً يسلمون فيه من الوقوع في الجهل والسفه والإثم؛ فلا يشاركون ولا يحضرون مجالس اللغو، ولا يحضرون مجالس السفه والجهل، وإنما ينزهون أنفسهم لأنهم عرفوا أنهم عباد لهذا الرب العظيم. هذا هو نهارهم.. هذا هو عملهم في النهار، عبادة وتواضع وزهد وتقرب إلى الله ومعاملة للمخلوقات بهذا التواضع والحلم، ثم تراهم ماذا يفعلون في الليل؟ هل يفعلون في الليل كما يفعل أغلبنا يجلس في المقاهي يضيع الأوقات أو يجلس أمام الشاشات فينظر إلى المحرمات أو يجلس أمام الجوالات ويقيم العلاقات المحرمة التي تغضب الرب سبحانه وتعالى؟ حاشاهم من ذلك. ليلهم يمضونه بطاعة الله وبالوصل مع الله سبحانه وتعالى، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا﴾، أي: يمضون الليل وهم في طاعة وفي عبادة. أيها الأحباب الكرام، الله الكريم الغفور الرحيم ينزل إلى السماء الدنيا فينادي عباده: يا عبادي هل من مستغفر لأغفر له؟ هل من تائب لأتوب عليه؟ هل من سائل لأعطيه؟ هل من مستغفر لأغفر له؟ الله ينادي عباده، فهل يليق بك أخي المسلم الحريص على نجاة نفسك أن تكون في نوم وشخير؟! أيليق بك أخي المسلم أن الرب يناديك وأنت معرض عن هذا الرب - سبحانه وتعالى - إما بلغو أو بمحرم أو بنوم؟! هذا والله لا يليق. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل ويكثر من السجود والتهجد لله حتى تشققت قدماه الشريفتان صلى الله عليه وسلم. هذا عبد من عباد الله - سيد الكائنات وسيد الوجود وأفضل المخلوقات على الإطلاق - وهو أكرم الأنبياء على الله، ومع ذلك يسجد حتى تتفطر قدماه فينزل منها الدم الطيب الطاهر الشريف - صلى الله عليه وسلم - فتقول له عائشة الحبيبة الطاهرة بنت الطاهر وزوجة الطهر صلى الله عليه وسلم: يا رسول أتفعل بنفسك هكذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! انظر أخي الحبيب، نعمة من الله أعطاها لسيد الكونين محمد صلى الله عليه وسلم، هل هذه النعمة تستدعي عبادة أم تستدعي غير ذلك؟ فلذلك أجابها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بقولته المشهورة: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟)). إذا كان الله قد أمتعني بمغفرة منه لذنوبي كلها أفلا أمضي بقية حياتي شكرًا لله بعبادة صحيحة لهذا الرب العظيم؟ بلى والله. هذا سيد الكائنات يفعل هذا، فما بالكم نحن العصاة الذين أرهقتنا الذنوب فسودت قلوبنا وأظلمتها وجعلتها قاسية مظلمة، ألا نستحق أن نقبل على هذا الرب العظيم ونناديه فنقوم من الليل نتهجد في الليل فننادي هذا الرب: يا رب إنا نستغفرك فاغفر لنا، إنا نسألك فأعطنا، إنا نتوب إليك فتب علينا؟ بلى والله، المحروم والله أيها الأحباب من يحرم هذا اللقاء مع الله سبحانه وتعالى. انظر أخي الحبيب، مع كامل عباداتهم ومع تقربهم الكبير مع الله هم لا يغترون بعباداتهم، لا يقولون: أنا أصلي.. أنا أقرأ القرآن كل يوم.. أنا أقوم الليل.. حاشاهم، مع كل هذه العبادات هم يخافون من الله أن يرد أعمالهم في وجوههم ويسألون الله أن يتقبل منهم. إياك أن تغتر بما تقدم، فلعل ما تقدم من عبادات لا يستحق القبول، لأنه ربما هو صور لا روح فيها ولا خشوع ولا حضور قلب. إياك أن تغتر فتدعي أن الله قد قبل منك، فهؤلاء عباد الرحمن الذين شرفهم الله بهذه الرحمة الواسعة وشهد لهم أنهم عباد لله كانوا يقولون: ﴿رَبَّنا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ﴾ خوفًا من الله وخوفًا من عقابه. هم عرفوا قدر هذا العذاب الشديد في جهنم، عرفوا فظاعة جهنم فهربوا منها بعباداتهم ثم جأروا إلى الله: يا رب ﴿اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾، أي: موجعًا مؤلمًا ملحًا ملازمًا لا يفارق. فالويل كل الويل لمن أضاع هذا العمر بمعصية الله وإعراض عن الله سبحانه وتعالى، الويل كل الويل لمن أدركه الموت فجاءه ملك الموت وهو في غفلة عن الله، ستراه يفجأ بملك الموت ويقول حينئذ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾، فيجاب: ﴿كلا﴾ لا رجعة، ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِن وَرائِهِم بَرْزَخٌ إلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. الويل كل الويل لمن أعرض عن الله وتشاغل بالدنيا وملذاتها، فجاءه الموت بغتة فأرداه في جهنم وبئس المصير. لذلك أيها الأحباب الكرام، انشغلوا بطاعة الله وانشغلوا بما يقربكم إلى الله. هذه النفس التي بين جنبيكم هي أمانة، هذه الجوارح التي أعطاكم الله إياها هي أمانة بين أيديكم، إما أن تطيعوا الله فيها فتفوزوا، وإما أن تعصوا الله فتخسروا. هذه الجوارح ستكون شاهدة إما لك وإما عليك يوم القيامة، إما أن تشهد لك بالطاعة وإما أن تشهد عليك بأنك عصيت الرب سبحانه وتعالى. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم يا رب العالمين لا تحرمنا رضاك، اللهم يا رب العالمين اجعلنا عندك من المقبولين ولا تجعلنا من المحرومين يا رب العالمين، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق